الأحد 18 أكتوبر 2026
مصادريكل المصادر
اختر الصحف التي تريد أخبارها
التنبيهات
أدب ورأي

الادخار والاستثمار «3»

الدكتور إحسان علي بوحليقة · صحيفة مالالأحد 18 أكتوبر 2026، 9:45 ص
الادخار والاستثمار «3»

عرفنا المرونة الاقتصادية على مستوى الدول، فكيف تكون على مستوى الأسر والأفراد؟

استقرار الأسعار هو العامل الأهم لتشجيع الادخار والاستثمار في آنٍ معاً، وهذا أمر متحقق في السعودية، إذ أن معدل التضخم الشهري ثابت من شهر أغسطس حتى سبتمبر، ويقف حالياً عند 1.9 بالمائة. وهناك من لا يطرب للدعوة للادخار، رغم أنها دعوة ترتبط بقدرة الأسرة على مواجهة الطوارئ، وتجنب ضغوط الديون غير المخطط لها. لذلك فالادخار ليس نقيض الاستهلاك وليس هو دعوة إلى الحرمان؛ إنه ترتيب واعٍ بين احتياجات الحاضر وأهداف وتحديات المستقبل.

ويتأثر ادخار الأسر بعوامل كثيرة، منها الدخل والثروة والالتزامات واستقرار العمل وتوقعات التضخم وأسعار الفائدة. ولهذا لا يصلح رقم واحد معياراً للجميع. ففي مسح الاحتياطي الفيدرالي الأميركي عن 2025، الذي نُشر في 2026، قال 55 بالمائة من البالغين إن لديهم مدخرات طوارئ تكفي ثلاثة أشهر. وتفاوتت النسبة من 21 بالمائة بين الأسر ذات الدخل السنوي الأقل من 25,000 دولار إلى 75 بالمائة لدى الأسر ذات الدخل السنوي البالغ 100,000 دولار فأكثر. وهذه أرقام أميركية توضح أثر الدخل في تكوين الهامش المالي، ولا تمثل تقديراً للأسر السعودية.

وتدعم ذلك دراسة منشورة من مكتب إحصاءات العمل الأميركي؛ إذ بلغ الادخار الكلي 3 بالمائة من الدخل الشخصي في 2022، لكنه كان سالباً للنصف الأدنى من توزيع الدخل. لذلك فالفكرة الأهم ليست مقارنة الأسرة بغيرها، بل بناء عادة ادخار واقعية تتناسب مع دخلها والتزاماتها.

وللادخار أثر مباشر في الفرد والأسرة: فهو يرفع القدرة على مواجهة الطوارئ، ويساند الاستعداد للتقاعد، ويمكّن من تمويل التعليم والتدريب، ويساعد على تكوين الدفعة الأولى للمسكن، ويمنح الأسرة مرونة لاقتناص الفرص الاستثمارية المناسبة. ولا يعني ذلك أن لكل أسرة هدفاً واحداً أو مقداراً مثالياً ثابتاً؛ فالأولوية تبدأ عادةً بحجم المصروفات الأساسية، واستقرار الدخل، والالتزامات القائمة.

ولا يعني الادخار وقف الاستهلاك. فالأصل إعداد ميزانية واضحة ثم تخصيص مبلغ منتظم للادخار قبل الإنفاق غير الضروري. فإذا كانت المصروفات الأساسية 4,000 ريال شهرياً، فالمفيد هو مراجعة بنود الإنفاق والتخطيط لمبلغ ادخار يمكن الاستمرار عليه من دون المساس بالاحتياجات الأساسية أو اللجوء إلى دين مكلف.

وعند تشدد السياسة النقدية، تنتقل زيادة سعر الفائدة إلى تكلفة الاقتراض وشروط التمويل. وهذا يحد عادةً من شراء السلع المعمرة الممولة بالائتمان ومن بعض استثمارات الشركات، فيخفف الطلب ويُسهم في كبح التضخم. لكن هذا الأثر لا يقع على كل أسرة أو كل سوق بالقدر نفسه، لأن انتقال السياسة النقدية يتم عبر قنوات متعددة، منها الائتمان وأسعار الأصول والتوقعات.

ومن المهم التفريق بين النقد المادي والسيولة المدرة للعائد. فالنقد المادي لا يحقق عائداً، وقد تتآكل قوته الشرائية إذا ارتفع التضخم. أما الودائع أو الأدوات النقدية قصيرة الأجل فقد تحقق عائداً، لكنه يختلف بحسب الجهة والمدة والشروط، ولا ينبغي تقييمه بمعزل عن التضخم والسيولة والرسوم ومخاطر المنتج.

ولهذا لا يصح القول إن الودائع قصيرة الأجل هي الخيار الأفضل دائماً، ولا يصح بناء القرار على توقع مؤكد لاتجاه الفائدة. تكون المدة القصيرة مناسبة عندما تكون الحاجة إلى السيولة قريبة أو عندما لا يرغب المودع في الالتزام لمدة أطول. أما الأجل المناسب فيرتبط بهدف الادخار، وتوقيت الحاجة إلى المال، وقدرة الشخص أو الأسرة على تحمل تقلب العائد.

كما أن الاحتفاظ بسيولة للطوارئ لا يعني وقف الاستثمار. فالاحتياجات القريبة تحتاج إلى سيولة واستقرار، بينما قد تتطلب الأهداف البعيدة محفظة استثمارية تتناسب مع المدة الزمنية وقدرة المستثمر على تحمل المخاطر. وتغير أسعار الفائدة يؤثر في تقييم الأصول وفي قرارات التمويل، لكنه لا يضمن هبوط قيمة كل أصل؛ فالأسهم والعقار والسندات تتأثر أيضاً بالأرباح والنمو والعرض والطلب والمخاطر الخاصة بكل سوق.

وعلى مستوى الاقتصاد، قد يؤدي انتشار الحذر المالي إلى تراجع الاستهلاك، فقد تؤجل بعض الشركات توسعها عندما ترتفع تكلفة التمويل أو يضعف الطلب. وهذا أحد المسارات التي تستخدمها السياسة النقدية لكبح التضخم. لكنه لا يعني أن كل ادخار يؤدي إلى ركود، أو أن كل إيداع للنقد يعني توقف الاستثمار المنتج؛ فالنتيجة تعتمد على فرص الاستثمار، وتكلفة التمويل، وتوقعات الطلب، وقدرة الاقتصاد على توجيه المدخرات إلى استخدامات منتجة.

الخلاصة أن الادخار الجيد ليس شعار «أمسك الكاش»، بل موازنة بين سيولة كافية للاحتياجات القريبة واستثمار منضبط للأهداف البعيدة. وكلما كان الادخار منتظماً ومرتبطاً بميزانية واقعية، زادت قدرة الأسرة على حماية جودة حياتها من الصدمات وعلى استثمار الفرص بحذر ووعي.

وفي أوقات الأزمات، يتغير معنى الادخار الأسري: فالأولوية ليست لتعظيم العائد، بل لتأمين سيولة تغطي الاحتياجات الأساسية وأن تبقى متاحة، ويستحسن أن تُبنى هذه السيولة تدريجياً، مع تنظيم الالتزامات وتفادي الشراء المذعور وأهمية مراجعة الاحتياجات الفعلية. وأخذاً في الاعتبار الاستقرار في الأسعار وتوفر السلع في الأسواق المحلية نتيجة لاستراتيجية الأمن الغذائي ومبادراتها المتعددة، يبقى الجانب الأهم هو الانفاق بتؤدة والادخار بانتظام.