فرجان لوّل… بيوتٌ متقاربة وقلوبٌ أقرب


بعض الأماكن نغادرها، وتظلّ أبوابها مفتوحةً في قلوبنا. تمضي بنا السنوات، وتتبدّل الطرق، وتغيب بيوتٌ كانت هنا، لكنّ صوتًا من أصوات أهلنا يكفي ليعيدها كلّها. يجلس أحد كبار السنّ، ويقول: «الله على أيام أوّل…»، فنقترب قليلًا، كأننا نخشى أن يفوتنا شيءٌ من الطريق إلى تلك الأيام. وما إن يبدأ الحكاية حتى يعود للفريج بابه، وللبيت أهله، وللوجوه التي غابت مكانٌ بيننا.
هكذا تأتي «فرجان لوّل» في حكايات الآباء والأجداد؛ دافئةً كأيديهم، قريبةً كنبراتهم، تحمل شيئًا من أعمارهم التي مضت، وشيئًا من طفولتهم التي ما زالت تضيء وجوههم حين يتذكّرون. نسمعهم، فنحنّ إلى أيامٍ عشنا بعضها، وإلى أيامٍ لم نعرفها إلّا من أفواههم. ولعلّنا نحبّ تلك البيوت لأنهم كانوا فيها صغارًا، وكانت أمّهاتهم ينادينهم، وكان العمر ما يزال يتّسع للّقاء.
في حكاياتهم، تبدو بيوت الطين متقاربةً، كأنّ كلّ بيتٍ يطمئنّ إلى وجود الآخر بجواره. أبوابٌ تتقابل، وأزقّةٌ ضيّقة، وعتباتٌ شهدت جلساتٍ طال فيها الحديث، ولم يشعر أصحابها بمرور الوقت. هنا طفلٌ يركض وراء رفاقه، وهناك شيخٌ يردّ السلام، ويتابعهم بعينٍ تعرف أبناء الفريج واحدًا واحدًا. ومن داخل بيتٍ يأتي نداء أمٍّ، فيعرف الصغير أنّ عليه أن يعود، ولو ظلّ قلبه معلّقًا بلعبةٍ لم تنتهِ.
وكم في نداء الأمّ من وطنٍ لا نعرف سعته إلّا حين نشتاق إليه.
كان أجمل ما يصلنا من تلك الحكايات شعور الإنسان بأنّ حوله من ينتبه إليه. جارٌ يفتقد وجه جاره، فيطرق بابه؛ وامرأةٌ تسأل عن جارتها حين يطول غيابها؛ ويدٌ تمتدّ لتعين قبل أن يثقل السؤال على صاحبه. تفاصيل صغيرة، لكنّها تبقى طويلًا في القلب. أن يشعر أحدٌ بتعبك من نبرة صوتك، وأن يسأل عنك لأنّ مكانك ظلّ خاليًا، وأن تجد عند بابك من يقول ببساطة: «عسى ما شرّ؟».
ولم تكن حياتهم خاليةً من التعب. في حكاياتهم ضيقٌ وانتظار، وأمنياتٌ تأخّرت، وأيامٌ مرّت ثقيلةً على أهلها. وحين نستعيد طيبتهم، نلمحها في الطريقة التي واسى بها بعضهم بعضًا؛ في جلسةٍ خفّفت وحدة، وكلمةٍ طيّبت خاطرًا، ومساعدةٍ ظلّ صاحبها يذكرها بعد أعوام. لعلّ هذا أكثر ما يحرّك الحنين فينا: تلك الطمأنينة إلى أنّ بابًا قريبًا سيفتح حين نحتاج إليه، وأنّ وراءه وجهًا نألفه.
وللعرس في ذاكرة الفريج دفءٌ آخر. ما إن يرد ذكره حتى تتغيّر نبرة الحكاية، وتطلّ ابتسامةٌ من بين السنين. يعود الراوي إلى أسماء من حضروا، ومن ساعدوا، ومن تأخّروا ثم أقبلوا مسرعين. يتوقّف عند موقفٍ صغير، ويضحك، ثم يسكت لحظةً حين يمرّ باسم عزيزٍ غاب. نصغي إليه، ونشعر أنّ العرس ما زال قائمًا في ناحيةٍ من قلبه، وأنّ الوجوه كلّها ما زالت هناك.
نرى المشهد كما ترسمه الحكايات: أيدٍ تهيّئ المكان، وطعامًا يُعدّ، وأصواتًا تتنادى، وصغارًا يدورون بين الكبار بفرحٍ لا يعرف التعب. لكلّ واحدٍ ما يقدّمه، ولكلّ يدٍ أثرٌ في هذه الليلة. وحين يكتمل الاستعداد، يلتفت أهل البيت إلى ما حولهم، فيجدون محبّة الناس حاضرةً في كلّ تفصيل.
وفي داخل البيت، تكون للعروس حكايةٌ أهدأ، لا يسمعها الجمع في الخارج. تنظر إلى ثيابها وجهازها، ثم تلتفت إلى الغرفة التي تعرفها، إلى أشياء اعتادت أن تراها كلّ صباح، ولم يخطر لها أنّ النظر إليها قد يوجع بهذا اللطف. تفرح بما ينتظرها، وتتعلّق قليلًا بما ستتركه هنا؛ مكانها بين أهلها، وصوت أمّها قريبًا، وتلك الراحة التي تمنحها الأشياء المألوفة دون أن ننتبه.
وحولها نساء الأسرة، يطمئنّها حديثهنّ، وتؤنسها ضحكاتهنّ. أمّا أمّها، فتقترب لتسوّي طرف ثوب، أو تتأكّد من زينة، وربما أطالت الوقوف إلى جوارها لأنّ في قلبها كلامًا لا تعرف من أين تبدأه. تنظر إلى ابنتها، فترى العروس، وترى معها الصغيرة التي كانت تمدّ يدها لتلبسها، وتأتيها باكيةً، ثم تنام مطمئنّةً بقربها.
ما أسرع ما كبرت تلك الصغيرة في هذه اللحظة.
توصيها الأمّ بكلماتٍ قليلة، وتدعو لها، وتخفي في انشغالها شيئًا من دمعتها. والعروس، مهما أحاط بها الفرح، تحتاج إلى تلك اليد على كتفها، وإلى صوتٍ تعرفه يقول لها إنّ كلّ شيءٍ سيكون بخير. قد تنسى بعد سنواتٍ بعض زينتها، وبعض ما قيل في تلك الليلة، وتظلّ تذكر كيف نظرت إليها أمّها، وكيف ضمّتها قبل أن تترك يدها.
ثم تأتي زفّة المعرس، وتخرج به الفرحة إلى أزقّة الفريج. يمضي بين أهله ورفاقه، تحيط به الوجوه التي ألفها، وترافقه الأصوات بالفرح والدعاء. هذا الطريق يعرفه منذ الصغر؛ ركض فيه، وعاد منه إلى البيت، ووقف عند أبوابه ينادي أصحابه. وها هو يعبره هذه المرّة إلى بدايةٍ جديدة، وبين من يسيرون معه من يتذكّره طفلًا، ويكاد لا يصدّق أنّه صار معرسًا.
ولعلّ في قلب أبيه يومها فرحًا لا تسعه الكلمات. ينظر إليه بين الرجال، ويستعيد دون أن يقول سنواتٍ من الرعاية والخوف والرجاء. يقترب منه، يعدّل له شيئًا في ثوبه، أو يضع يده على كتفه، ثم يدعو له. وتبقى تلك اللمسة في الذاكرة، تحمل من المحبّة ما لم يقله اللسان.
وحين تهدأ الأصوات وينصرف الضيوف، تبقى للعرس بقيّةٌ في البيوت. تعبٌ محبّب، وأحاديث تُستعاد، وابتسامةٌ كلّما ذُكر موقفٌ من تلك الليلة. من أعدّ الطعام يحمل حكاية، ومن استقبل الضيوف يتذكّر وجهًا، ومن رافق المعرس يحتفظ بكلمة. هكذا يصير الفرح ذكرى مشتركة، يجد كلّ واحدٍ فيها موضعًا له، ويظلّ الحديث عنها يصل بين أهل الفريج بعد أن تنقضي المناسبة بسنوات.
هذا ما يشدّني إلى تلك الحكايات، ويجعلني أطيل الإصغاء إليها: أن تكون للإنسان هذه المكانة في يوم غيره. أن يفرحوا له، وينتظروا عودته، ويعرفوا متى يحتاج إلى من يجلس بجواره. وحين نسمع عبارة «أهل الفريج يدٌ واحدة»، تحضر في البال وجوهٌ وأيدٍ ومواقف؛ جارٌ وقف إلى جوار جاره، وامرأةٌ حملت بعض تعب جارتها، وأهلٌ جعلوا فرحة أحدهم شأنًا عزيزًا عليهم جميعًا.
واليوم، كلّما سمعنا هذه الحكايات، راودتنا رغبةٌ في أن نجلس مع أصحابها وقتًا أطول. أن نقول: ثمّ ماذا حدث؟ ومن كان يسكن ذلك البيت؟ وكيف كانت جدّتي يومها؟ نريد للتفاصيل أن تبقى، وللأسماء أن تُقال مرّةً أخرى. ففي كلّ حكايةٍ شيءٌ من أهلنا، وكلّما أصغينا، منحونا من حياتهم ما لا تعيده الصور وحدها.
ولعلّ الوفاء لهذا الحنين يبدأ من قربنا ممّن ما زالوا بيننا؛ من جلسةٍ لا نستعجل نهايتها، وسؤالٍ نصغي إلى جوابه، وزيارةٍ نفرغ لها بعض الوقت. ونحمل شيئًا من روح الفريج إلى أيامنا حين نتفقّد جارًا، ونؤنس وحشة قريب، ونشارك الأحبّة أفراحهم بقلوبٍ حاضرة. ما زال في استطاعتنا أن نترك لأحدٍ ذكرى دافئةً يرويها يومًا.
ستظلّ فرجان لوّل عزيزةً علينا. في بيوتها عاش أهلنا أعمارًا لا نعرف منها إلّا ما أسعفتهم الذاكرة بقوله، وعلى عتباتها جلس من نحبّ، وفي أزقّتها بقي صدى خطواتٍ نتمنّى لو نسمعها مرّةً أخرى.
وحين نقول: «يا حلو أيام لوّل»، قد يكون في القلب اسمٌ لا ننطقه، ووجهٌ نفتقده، وبيتٌ نتمنّى لو نعود إليه آخر النهار، فنجد الباب مواربًا، والضوء في الداخل، وصوتًا عزيزًا ينادينا بأسمائنا.
ندخل، فيسألنا أين كنّا، ونحكي له عن يومنا، وهو يصغي.
ونتمنّى لو يطول المساء.



