الإثنين 19 أكتوبر 2026
مصادريكل المصادر
اختر الصحف التي تريد أخبارها
التنبيهات
أدب ورأي

جعفر الطيّار… شهادة السماء وعظمة الوفاء

فؤاد الحمودالإثنين 19 أكتوبر 2026، 12:29 م
جعفر الطيّار… شهادة السماء وعظمة الوفاء

تحتلّ شخصية جعفر بن أبي طالب، المعروف بجعفر الطيّار، مكانةً سامية في الذاكرة الإسلامية؛ فهو أخو أمير المؤمنين علي بن أبي طالب

، وابن عمّ رسول الله ﷺ، ومن السابقين إلى الإسلام، ومن الذين جسّدوا الإيمان موقفًا وتضحيةً وثباتًا.

ولم تكن عظمة جعفر الطيّار في نسبه الشريف فحسب؛ بل تجلّت في مواقفه التي كشفت عن عمق إيمانه، وحكمته في الدعوة إلى الله تعالى، وشجاعته في الدفاع عن رسالة الإسلام، حتى نال الشهادة في مؤتة، وصار اسمه مقرونًا بالطيران في الجنة.

وتزداد معالم شخصيته وضوحاً حين نتأمل ما ورد من فضله في كلمات النبي ﷺ، وما حفظته روايات أهل البيت

من سيرته ومناقبه.

فقد كان جعفر من الشخصيات التي حظيت بمكانة خاصة لدى رسول الله ﷺ، وقد تجلّى ذلك في حديثه عنه بعد استشهاده في معركة مؤتة.

وقد ورد في الروايات المشهورة أن النبي ﷺ أخبر عن تعويض الله جعفرًا عن يديه اللتين قُطعتا في المعركة بجناحين يطير بهما في الجنة، ومن هنا عُرف بلقب جعفر الطيّار.

هذه المنقبة ليست مجرد تكريم لشهيد قدّم حياته في سبيل الله، بل تحمل دلالةً عميقة على أن التضحية الصادقة لا تضيع عند الله، وأن ما يفقده الإنسان في طريق الحق قد يعوّضه الله عنه بما هو أكرم وأبقى.

كما ورد عن النبي ﷺ قوله لجعفر، في الحديث المشهور: أشبهتَ خَلقي وخُلُقي، وهو ثناء يكشف عن قرب جعفر من رسول الله في سمته وأخلاقه، ويشير إلى أن الاقتداء بالنبي لا يكون بالمظهر وحده، بل بجمال السيرة، وصدق الإيمان، وحسن المعاملة، والثبات على المبادئ.

ومن أبرز المواقف التي تكشف عن شخصية جعفر الطيّار موقفه في هجرة المسلمين إلى الحبشة، حين وقف أمام النجاشي ممثّلًا للمسلمين، مدافعاً عن عقيدتهم، ومبيّناً حقيقة الرسالة المحمدية.

لم يلجأ جعفر إلى التنازل عن مبادئه من أجل كسب رضا الملك، ولم يتعامل مع الموقف بمنطق الانفعال أو الخصومة، بل عرض صورة واضحة عن التحول الأخلاقي والعقائدي الذي أحدثه الإسلام في حياة الإنسان، فقد بيّن أن الإسلام نقلهم من عبادة الأصنام إلى عبادة الله، ومن الظلم إلى العدل، ومن الأخلاق السيئة إلى مكارم الأخلاق.

وهكذا أصبح جعفر نموذجًا للمؤمن الذي يجمع بين قوة الإيمان وحسن البيان، وبين الاعتزاز بالمبدأ واحترام الآخرين.

وقد ارتبطت شهادته بالبشارة النبوية التي اشتهر بها لقب «الطيّار»، إذ رُوي أن الله عوّضه عن يديه بجناحين يطير بهما في الجنة.

إن هذه الصورة تختصر معنى التضحية في أسمى مراتبها؛ فجعفر لم يجعل سلامة جسده غايةً مقدّمة على سلامة الرسالة، بل قدّم ما يملك دفاعاً عن الحق الذي آمن به.

فلم يكن جعفر رجل ميدان وشهادة فحسب، بل عُرف كذلك بالكرم والعناية بالمحتاجين، وقد نقلت كتب الحديث إشادةً بإحسان جعفر إلى المساكين، وأنه كان يأخذهم إلى منزله فيطعمهم مما يجده فيه، حتى إنهم كانوا يجدون عنده العناية والرحمة.

وهنا تظهر لنا صورة أخرى من عظمته: فالإيمان عنده لم يكن فكرةً مجردة، بل تحوّل إلى سلوك يومي يشعر به الفقير والمحتاج، فقد يجاهد الإنسان في ساحة المعركة، ولكنه قد يغفل عن آلام الناس في حياته اليومية؛ أما جعفر فجمع بين بذل النفس في سبيل الله وبذل المال والطعام في سبيل مواساة عباده.

ومن هنا نستطيع أن نستخلص قاعدة أخلاقية مهمة: إن القرب من الله لا يُقاس بالعبادات الظاهرة وحدها، بل يظهر أثره في الرحمة، والإيثار، ومواساة الضعفاء، والشعور بمسؤولية الإنسان تجاه مجتمعه.

إن جعفر الطيّار ليس اسماً يُستحضر في مناسبات الشهادة فحسب، بل هو مدرسة متكاملة في الإيمان والوعي والشجاعة والكرم، لذا مدحه رسول الله ﷺ بقوله: «أشبهت خلقي وخُلُقي»، فكان هذا الثناء النبوي مفتاحاً لفهم جانب من شخصيته؛ إذ اجتمع فيه حسن الخلق مع قوة الموقف، والرحمة بالضعفاء مع الثبات في ساحات الجهاد.

وإذا أردنا أن نحيي ذكرى جعفر الطيّار حقاً، فلا يكفي أن نتحدث عن جناحيه في الجنة، بل ينبغي أن نسأل أنفسنا: ما الذي نستطيع أن نقتدي به من أخلاقه؟ وكيف نجعل إيماننا عطاءً، وثباتنا مسؤوليةً، وحبّنا لرسول الله وأهل بيته سلوكاً نعيشه في واقعنا؟

فسلام الله على جعفر الطيّار، وجزاه عن الإسلام وأهله خير الجزاء، وجعلنا من السائرين على نهج الصدق والوفاء ومكارم الأخلاق.

في السادس من جمادى الأولى، نستحضر ذكرى استشهاد جعفر الطيّار ، ونستضيء بسيرته في الإيمان والتضحية والكرم ومكارم الأخلاق.