الثلاثاء 20 أكتوبر 2026
مصادريكل المصادر
اختر الصحف التي تريد أخبارها
التنبيهات
أدب ورأي

بسطة حسن المشروع الثقافي الرائد

محمد الحميديالثلاثاء 20 أكتوبر 2026، 10:43 ص
بسطة حسن المشروع الثقافي الرائد

في كل بيئة ثقافية نشطة نجدنوعا من التفاعل بين القارئ والكاتب أو بين البائع والقارئ على أقل تقدير ولكن أن نجد العلاقة بين كاتب وبائع مع قارئ فهذه سابقة في تاريخ المكتبات وبيع الكتاب وترويجه وهو المشروع الذي حمله الأستاذ حسن آل حمادة على أكتافه وانطلق به.

ولا يعني حديثنا التقليل من شأنه، أبدا فعمله يحتل مكانة مرموقة في فضاء الثقافة داخل المنطقة وخارجها وصوته آخذ في الاتساع التدريجي باتجاه البلدان المجاورة وتجد لها صدى في فعالياتهم وهذا بحد ذاته يعتبر إنجازا يضاف إلى بقية إنجازاته الشخصية ويضاف كذلك إلى إنجازات المنطقة ككل.

البحث عن القارئ هدف وضعه الكاتب آل حمادة أمام عينيه ونصب شراكه للإيقاع به وتوجيهه ناحية الكتاب باعتبار القراءة هي اللبنة الأولى في إنشاء جيل مثقف وواعي ومدرك ببصيرة ثاقبة لما يجري حوله، وبهذا يمكن اعتبار المشروع القرائي مشروع وعي في الأساس.

إلا أنه انتقل إلى شكله الحالي من دعوة الأفراد ذكورا وإناثا صغارا وكبارا لممارسة هذه الهواية وتحبيبها إلى أنفسهم بكل طريقة ممكنة، فمن باب الأكشاك المليئة بالكتب التي كان يفترشها في المناسبات والفعاليات إلى إقامة فعاليات ترفيهية تشمل ساعة من القراءة الحرة إلى إقامة بسطة بسيطة متنقلة بعنوان بسطة حسن.

بسطة حسن عنوان لمشروع وعي بالأساس وإنما يتلبس لبوس القراءة والمطالعة وحب البحث عن الجديد في عالم المعرفة والعلم والفن والأدب، ولا يلتزم آل حمادة بتوجه محدد ناحية فن أو علم بل يشمل جميع الأطياف في بسطته فنجد الكتاب العلمي المتخصص مثلما نجد أروع الأعمال الروائية العالمية.

مفاصل هذا المشروع تتكون من ثلاثة أجزاء؛ هي المسوق للكتاب، والكتاب الجيد، والقارئ المندفع، وسنتحدث حول كل نقطة من النقاط بشيء من التفصيل، مع الأخذ بعين الاعتبار المصادر التي يحصل من خلالها آل حمادة على الكتب وتدويرها أو إعادة تدويرها بين الأفراد.

المسوق أو البائع أو الكاتب أو أيقونة القراءة هي مسميات لشيء واحد؛ إنها تشير إلى الكاتب حسن آل حمادة الذي ارتبط اسمه بمشروعه وصارا متلازمين فلا تذكر القراءة إلا ويذكر معها وكذلك إذا ذُكر اسمه سيتبادر إلى الذهن مشروع القراءة.

لنا أن نسأل عن سبب هذا الارتباط العميق بين الاسم والمشروع القرائي، وهنا يمكن أن نجيب عن ذلك بأن التلازم الحادث ليس وليد اللحظة الراهنة، إنما هو نتيجة جهد استمر لسنوات طويلة، وإنتاجات غزيرة، وزيارات متكررة لمعارض الكتاب ولقاء المؤلفين، إضافة إلى نشاطاته الاجتماعية.

لتتحول هذه العلاقات المتشابكة إلى مشروع في النهاية يتمثل في هدف واحد ووحيد وهو جلب الأفراد إلى القراءة وغرس هذه العادة في نفوسهم والتركيز على جميع الفئات وبخاصة صغيرة السن لأنها تمثل الأمل المستقبلي للمنطقة ولمشروعه كذلك.

لم تكن البسطة هي إنجاز آل حمادة الوحيد وإن كانت الأخير في سجله سبقها تأسيس نادٍ للقراءة بعنوان: اقرأ كتابك، وإطلاقه عبارة: أمة اقرأ لا تقرأ، التي قام بتعديلها لاحقا إلى: أمة اقرأ تقرأ، وكل ذلك في محاولة لرفع نسبة القراء داخل المجتمع.

كما أنه لا يفوت المناسبات الاجتماعية العامة حيث يتجه إلى إقامة معرض مصغر للكتب يحتوي على قسمين؛ قسم خاص بالتوزيع المجاني، وقسم خاص بالبيع وهو مختص بالكتاب الجديد أو القادم من وراء الحدود، ويساعده في عمله مجموعة من الأفراد المهتمين وغالبا هم الذين ينتمون إلى نادي اقرأ كتابك.

هذا الاستغلال للمناسبات الاجتماعية والفعاليات الثقافية كالمهرجانات الصيفية وغيرها ساهم في تكوين اسم حسن آل حمادة ثم دلالته على مشروع القراءة إلى أن أصبحا متلازمين وبات المجتمع يعترف بجهوده وقيمته التي يبذلها لتثقيفه وزيادة وعيه، وأخذ في التفاعل معه.

الجزء الثاني المتعلق بالكتاب فيمكن الإشارة إلى أن البيئة الثقافية تعاني من تخمة المعروض وخصوصا في فن الشعر المستحوذ على مساحة كبيرة، وسيكون من الطبيعي أن هذه الكتابات سواء الشعرية منها أو النثرية وكذلك الإبداعية أو العلمية الجادة تتوزع ضمن خانتين الكتاب الجيد والكتاب السيء.

والتفريق بين الكتابين ليس بالأمر اليسير فلا يمكن لإنسان مبتدئ في القراءة أن يدرك الفرق بينهما بل يحتاج إلى قراءة الكثير من الكتب والاطلاع على أساليب المؤلفين وطرقهم في التعبير والكتابة وإيصال المعلومة وكيفية شرحها وما هو اللون الذي ينتمون إليه.

وهذه النوعية من القراء نادرة في المجتمع؛ لأنها تعني بكل بساطة أن الإنسان أنفق من حياته جزءا كبيرا في المطالعة والقراءة، وبذا تتكون لديه القدرة على المقارنة بين الكتب والمؤلفين والاختيار من بينهم لما هو الأفضل والأجود والأكثر نفعا، وهنا يأتي دور آل حمادة.

الذي لا يكتفي بعرض الكتاب والحث على القراءة والتجول بين الفعاليات والمهرجانات والأسواق الكبيرة لعرض ما لديه من بضاعة، فالعرض لوحده لا يعني جذب المشتري بل لا بد من عملية مصاحبة هي عملية التعريف والتشويق لما في الكتابي من أجل تسويقه وحث الأفراد على قراءته.

الفرق بين الكتاب الجيد والكتاب السيء لا تتضح إلا لعين الخبير وهنا يمثل آل حمادة عين الخبير التي تدرك قيمة هذا الكتاب مقارنة بذاك، وتنصح بقراءة كتاب قبل آخر من أجل تحقيق الاستفادة الكاملة، كما أنه مطلع على تسلسل المؤلفات لكاتب ما وأن هذا الكاتب أجمل أعماله الكتابية تتمثل في ذلك الكتاب تحديدا.

الخبرة الكبيرة الناتجة عن الحياة بين الكتب واكتشاف تفاصيلها ومعرفة تواريخ المؤلفين وإلمامه بنفسيات الناس وكذلك بحسن استقباله للصغير والكبير دفعت مشروع القراءة إلى الواجهة وأصبح لبسطة حسن ذلك الحضور اللافت على مستوى البيئة الثقافية.

لعل أول سؤال وأهم سؤال يمكن أن ينطرح في مشروع بسطة حسن لبيع الكتب والترويج لعادة القراءة يتمثل في التالي: كيف يستطيع مسوق الكتاب اجتذاب الجماهير والحصول على اهتمامهم ودفعهم لقراءة كتاب ما؟ وهو ما سنحاول الإجابة عليه في ما تبقى من حديثنا.

القارئ هو العنصر الأهم في بسطة حسن وهو حجر الأساس الذي انبنى عليه هدف الفعالية وعدم حضوره أو تفاعله سيعني الموت للمشروع ودفنه إلى الأبد، وهذا القارئ كان أمام نظر آل حمادة على الدوام فهو يدرك تماما خطورته وخطورة حضوره من أجل استمرارية المشروع.

من أجل ذلك عمل على استغلال وسائل التواصل الاجتماعي والإعلام الإلكتروني والفضاء الفسيح الممنوح في ظل الانفتاح على الجميع لكي يسوق لمشروعه باعتباره الفتح الكبير للأفق ولزيادة الوعي وحث الأفراد على القراءة عبر اختصار الكتب في عبارات مفيدة مقتبسة من الداخل.

لم تكن وسائل التواصل لوحدها هي التي عمل على استغلالها، بل استطاع التأثير في الآخرين عبر نادي اقرأ كتابك حيث تشكلت حوله مجموعة من الأشخاص الداعمين والمروجين للمشروع ورغم أنه الأهم والمركز بالنسبة لهم إلا أنهم استطاعوا كل بحسب جهده زيادة شعبية المشروع وساهم بطريقته في نشره بين الناس.

وأيضا التركيز على فئة الصغار واعتبار الفعاليات موجهة للعائلة كاملة حيث يُشاهد الكبير يقرأ بينما الطفل الصغير يأكل الفطائر أو يشرب العصير كما في بعض الأوقات التي تقام فيها الفعالية برعاية محل أو مطعم، وهذا التواجد العائلي أعطى زخما إضافيا لعمل آل حمادة ومشروعه.

يضاف إلى ما سبق الندوات واللقاءات التي يجريها والدورات التي يقدمها سواء على مستوى المقال أو على مستوى القصة مما ساهم في نشر مشروعه أكثر فأكثر وجعله محطة جاذبة للأفراد ودفعهم إلى ممارسة عادة القراءة والاطلاع على الجديد.

أخيرا نتوقف عند التشجيع الكبير والإشادة المستمرة من قبل المثقفين والكتاب وأهل الفضيلة من العلماء الذين ساندوا المشروع منذ بداياته وإلى اليوم وعملوا على نشر ثقافته بين الناس والتعريف به وبأهدافه ما جعل الأفراد تعيد توجيه بوصلة النظر ناحيته.

مشروع القراءة للجميع أو اقرأ كتابك أو أمة اقرأ تقرأ أو بسطة حسن مهما كانت التسميات فهو مشروع واحد والهدف منه كما أسلفت زيادة معدل الوعي في المجتمع عبر غرس عادة القراءة والاطلاع، ويعتبر من أقوى المشاريع الثقافية وأكثرها فعالية وتأثيرا في الوقت الراهن.