حين تنعدم أسباب النجاة


شدني فيلم Whalefall, الذي تدور أحداثه حول الشاب جاي غاردينر الذي يبتلعه حوت عنبر عملاق أثناء بحثه عن رفات والده، ليجد نفسه محاصَرًا في أحشائه، ولا يملك سوى ساعة من الأكسجين قبل نفاده. وبين صراع الجسد مع الخطر، يستعيد ذكريات والده ودروسه القاسية، فتكون مفتاحًا لمحاولاته اليائسة للنجاة، حتى يتمكن أخيرًا من الخروج إلى سطح البحر.
لكن الفيلم أخذني إلى مشهد أعظم، إلى قصة نبي الله يونس

، حين ابتلعه الحوت، فوجد نفسه في ظلمات البحر وبطن الحوت والليل، لا يملك سببًا ظاهرًا للنجاة، ولا ملجأ له إلا الله.
يقول الله تعالى: ﴿وَذَا النُّونِ إِذ ذَّهَبَ مُغَاضِبًا فَظَنَّ أَن لَّن نَّقْدِرَ عَلَيْهِ فَنَادَى فِي الظُّلُمَاتِ أَن لَّا إِلَهَ إِلَّا أَنتَ سُبْحَانَكَ إِنِّي كُنتُ مِنَ الظَّالِمِينَ﴾ [الأنبياء: 87].
تأملت كيف يقف الإنسان عاجزًا أمام قوى الطبيعة، فأحشاء الحيتان بيئة قاسية، تحتوي المعدة فيها على حمض الهيدروكلوريك وإنزيمات هاضمة، فيما قد تنتج عمليات الهضم غازات، منها الميثان وثاني أكسيد الكربون. ولا يصح القول إن وجود هذه الغازات يعني بالضرورة انفجار الحوت. كما أن الظروف داخل الحوت تختلف باختلاف نوعه، ولا نملك تفاصيل علمية تثبت ما تعرض له نبي الله يونس من الناحية الجسدية.
وهنا تتجلى عظمة القصة، فنحن لا نتحدث عن تجربة بيولوجية عادية، بل عن آية من آيات الله الذي لا تحد قدرته قوانين الطبيعة، ولا تقف أمام مشيئته حدود ما يعرفه البشر.
في الفيلم، استعاد جاي دروس والده ليقاوم الموت، أما يونس ، فقد لجأ إلى ربه بالتوحيد والتسبيح والدعاء، فجاءه الفرج الإلهي: ﴿فَاسْتَجَبْنَا لَهُ وَنَجَّيْنَاهُ مِنَ الْغَمِّ وَكَذَلِكَ نُنجِي الْمُؤْمِنِينَ﴾ [الأنبياء: 88].
ثم تجلت رحمة الله في قوله تعالى: ﴿وَأَنبَتْنَا عَلَيْهِ شَجَرَةً مِّن يَقْطِينٍ﴾ [الصافات: 146]. واليقطين نبات يتميز بأوراق واسعة تساعد على توفير الظل والحماية، وثمر غني بالماء والعناصر الغذائية. وقد أسهمت هذه الشجرة في رعاية نبي الله بعد نجاته، وإن كانت الآية الكريمة لا تفصل طبيعة كل فائدة منها.
سبحان مدبر الأمور، لم تكن النجاة نهاية المشهد، بل أعقبتها عناية ورحمة، وكأن القصة تذكرنا بأن الله لا يخرج عبده من المحنة فحسب، بل يهيئ له من أسباب الرعاية ما يعينه على استعادة عافيته.
لقد كان الفيلم رحلة في أعماق البحر، لكنه قادني إلى معنى أعمق، فقد تنقذنا خبرات الحياة حين تشتد المحن، لكننا نبقى محتاجين إلى رحمة الله وتوفيقه. وحين تبتلعنا هموم الحياة، وتحيط بنا الظلمات، وتضيق بنا السبل، فلنتذكر دعاء ذي النون، ونأخذ بالأسباب، ولا نيأس من رحمة الله.
فما أضيق الظلمات حين ننظر إليها وحدها، وما أوسع رحمة الله حين نرفع أبصارنا إليه!



