ما بقي في ذاكرة الطفل… بعد خمس سنوات


في زحام الأيام الدراسية، وبين الحصص والواجبات والمواقف اليومية المتلاحقة، تمر بنا لحظات نظن أنها عابرة، وأن الأيام كفيلة بطيّها من الذاكرة، غير أن بعض تلك اللحظات قد تترك في نفوس أبنائنا الطلاب أثرًا يتجاوز حدود الزمان والمكان.
فليس كل ما يبقى في ذاكرة الطفل درسًا تعلمه، أو معلومة حفظها، بل قد يكون موقفًا إنسانيًا صغيرًا شعر فيه بالأمان، أو كلمة طيبة أعادت إليه ثقته، أو يدًا امتدت إليه حين اشتد احتياجه إليها.
وقبل أيام، أعادتني مصادفة جميلة إلى موقف تربوي مضت عليه نحو خمس سنوات.
التقيت بولي أمر أحد طلابي السابقين، فأخذ يستعيد معي موقفًا لم أكن أتوقع أن يظل حاضرًا في ذاكرة أسرته كل هذه السنوات.
كان ابنه يومها طفلًا صغيرًا، عاد من المدرسة حزينًا باكيًا، بعدما تعرض لسخرية بعض زملائه بسبب حلاقة شعره، إذ أخذوا ينادونه بعبارات جارحة: ”يا الأقرع… يا الصلعة“.
وبالنسبة إلى طفل في تلك المرحلة العمرية، لم تكن تلك الكلمات مجرد عبارات عابرة؛ بل كانت تجربة مؤلمة مست شعوره بالقبول بين أقرانه.
وفي لحظة بسيطة، لم أقدم له محاضرة عن الثقة بالنفس، ولم أطلب منه أن يتجاهل ما سمعه، وإنما رفعت غطاء رأسي، وأريته شعري القصير، وقلت له بعفوية:
”ما عليك منهم… عادي، شوف شعري أنا بعد!“
لم يكن ذلك التصرف خطة تربوية معدة مسبقًا، ولا إجراءً علاجيًا معقدًا، بل استجابة إنسانية عفوية لمشاعر طفل كان بحاجة إلى من يخفف عنه وطأة الموقف.
ويبدو أن تلك اللحظة البسيطة كانت كافية لتخفيف حزنه وإشعاره بأنه ليس وحده، وأن ما تعرض للسخرية بسببه ليس عيبًا فيه.
وهنا تكمن إحدى الحقائق العميقة في التربية:
فالطفل حين يتعرض للإحراج أو السخرية لا يحتاج دائمًا إلى كثير من الكلمات، بقدر حاجته إلى شخص يتفهم مشاعره، ويحترم ألمه، ويمنحه الإحساس بأنه مقبول كما هو.
إن الاحتواء الوجداني لا يعني مجرد مواساة الطفل، بل يعني الاعتراف بمشاعره دون تهوين، ومساندته دون إشعاره بالضعف، ومساعدته على استعادة شعوره بالأمان.
ومع ذلك، فإن احتواء الطفل المتضرر لا يغني عن معالجة السلوك المؤذي لدى الآخرين؛ فالممارسة التربوية الواعية تجمع بين دعم الطفل نفسيًا، والتدخل لإيقاف السخرية، والعمل على بناء بيئة صفية تحترم الاختلاف وتصون كرامة الجميع.
لقد مضت خمس سنوات على ذلك الموقف.
كبر الطفل، وتغيرت ملامحه، وتقدمت به سنوات الدراسة، وربما غابت عن ذاكرته تفاصيل كثيرة مما تعلمه في تلك المرحلة، لكن ذلك الموقف ظل حاضرًا حتى أعاده والده إليّ بعد كل هذه السنوات.
والحق أن حديث ولي الأمر جعلني أتأمل من جديد في طبيعة الأثر الذي نتركه في نفوس طلابنا.
كم من موقف عابر في نظر المعلم، لكنه كبير في وجدان الطفل!
وكم من كلمة قيلت بعفوية، فكانت سببًا في تخفيف خوف أو إزالة حرج أو إعادة شعور بالأمان!
وكم من طفل لا يحتاج في لحظة انكساره إلى معلم يخبره بما ينبغي أن يشعر به، وإنما إلى إنسان يشعره بأنه مفهوم ومقبول ومحترم!
إن الرسالة التربوية لا تختزل في نقل المعرفة، ولا تقاس قيمتها بما ينجزه المعلم داخل حدود المنهج الدراسي فحسب؛ بل تمتد إلى ما يزرعه في نفوس طلابه من طمأنينة وثقة وكرامة إنسانية.
وبعد خمس سنوات، لم يكن أكثر ما أسعدني أن ولي الأمر تذكرني، بل أن طفلًا وجد في موقف بسيط ما يستحق أن تحتفظ به ذاكرته كل هذه السنوات.
ولعل هذه هي بعض أجمل ثمار التربية؛ أن نزرع الأمان في قلب طفل، ثم تمضي الأيام، لنكتشف أن ما حسبناه موقفًا عابرًا كان أثرًا باقيًا.
فطوبى لكل معلم يدرك أن التعليم رسالة للعقل، وأن التربية أمان يُزرع في القلب، وأن أعظم ما يتركه في طلابه قد لا يكون ما علمهم إياه، بل ما أشعرهم به حين كانوا في أمسّ الحاجة إليه.



