خيانة من عابر سبيل


منذ أن تعلمت قيادة السيارة وحصلت على رخصة القيادة عام 2000 م، اعتدت ألا أبخل على عابري السبيل الذين تقطعت بهم السبل، فأحرص على إيصال من أجده واقفًا على قارعة الطريق، ينتظر من يتكرم عليه بتوصيلة.
ففي تلك الفترة، كانت الأحساء تفتقر إلى خدمات سيارات الأجرة، حتى إن العثور على سيارة أجرة كان أشبه بالبحث عن إبرة في كومة قش! فلا تكاد تجدها إلا عند محطة القطار أو محطة النقل الجماعي، وحتى هؤلاء، لم يكن معظمهم من سائقي سيارات الأجرة النظامية، وإنما من الذين كنا نسميهم آنذاك «الكدادين».
استمررت على هذه العادة حتى منتصف عام 2002 م، حين لمحت على شارع الظهران بمدينة المبرز رجلًا نحيلًا يقف على جانب الطريق، يشير بيده إلى السيارات المارة طلبًا للتوصيل. كان يرتدي شماغًا أحمر باهت اللون دون عقال، وثوبًا أبيض يبدو أنه فقد علاقته بالبياض منذ زمن طويل!
توقفت له، فركب السيارة وطلب مني إيصاله إلى مستشفى «ال....»، وهو مستشفى خاص كان يقع على طريق مكة، وأُغلق بعد تلك الحادثة بنحو سنتين أو أقل.
أخبرني أن شقيقه منوّم في المستشفى بسبب ثقب في القلب، ثم أخذ يتحدث معي طوال الطريق، مدّعيًا أنه من أهل الجنوب، قبل أن ينطلق في وصلة من السخرية والتهكم على أهل جيزان! وبالطبع، حاشا أهل جيزان وأهل الجنوب جميعًا، فهم أهل الكرم والطيبة، ولهم تاريخ عريق وجذور ضاربة في أعماق الزمن.
ورغم أن المسافة بين شارع الظهران والمستشفى قصيرة نسبيًا، فإنني شعرت وكأنني أخوض أطول رحلة برية في حياتي، بصحبة هذا الكائن البيولوجي الغريب، الذي لم يتوقف لسانه عن الإساءة إلى أهل منطقة بأكملها!
وهنا بدأت المصيبة!
عندما وصلنا إلى المستشفى، وقبل أن يترجل من السيارة، طلب مني أن أعيره جوالي لإجراء مكالمة يخبر فيها صاحبه بأنه وصل.
كان بحوزتي آنذاك جهاز «نوكيا 3320»، الذي كنا نسميه «العنيد 2»، ولم يمضِ على شرائي له أكثر من أسبوع واحد!
وقبل ذلك، كنت أمتلك جهاز «نوكيا 3310»، المعروف ب«العنيد 1»، وقد عرض عليّ أحد باعة الجوالات شراءه بمبلغ 100 ريال، مؤكدًا أن هذا هو سعره في السوق، وأن مصلحته ليست في شراء جهازي القديم، وإنما في بيعي الجهاز الجديد، وما عليّ سوى دفع فرق السعر البالغ 250 ريالًا.
وافقت على الصفقة، وودّعت «العنيد 1»، واستقبلت «العنيد 2» بكل حفاوة، ولم أكن أعلم أن علاقتنا لن تصمد حتى نهاية شهر العسل!
نعود إلى صاحبنا...
أخرجت الجوال من جيبي وأعطيته إياه بكل حسن نية، وإذا بي لا أرى إلا غباره وشماغه يتطاير خلفه، بعد أن انطلق راكضًا بأقصى سرعة، تاركًا باب السيارة مفتوحًا!
يا ابن الحلال! حتى الباب ما سكّرته؟!
لم أستوعب ما حدث إلا بعد أن اختفى عن الأنظار، وأدركت أنني تعرضت لعملية سرقة، وأن حكاية الأخ المنوّم في المستشفى لم تكن، على ما يبدو، سوى جزء من السيناريو!
عدت إلى المنزل مسرعًا، واتصلت بشركة الاتصالات لإيقاف الشريحة، لكن ذلك لم يمنع صدور فاتورة مرتفعة!
يعني الأخ الكريم لم يكتفِ بسرقة جوالي، بل قرر أن يترك لي تذكارًا أخيرًا على هيئة فاتورة اتصالات!
زقووووم في بطنك يا حرامي! حشرك الله مع أبي لهب!
والطريف أنني، مع مرور السنوات، أخذت أتابع مصير المستشفى الذي شهد هذه الجريمة النكراء!
فبعد إغلاق المستشفى، افتُتح في الموقع مستشفيان آخران على التوالي، قبل أن يتوقف النشاط في المبنى نهائيًا، ويظل مهجورًا لنحو عشرين عامًا، إلى أن انتهى به المطاف معروضًا للبيع بالمزاد العلني عن طريق المحكمة العامة!
ولا أخفيكم أنني شعرت بشيء من التشفي، وبدأت أقتنع بأن الله قد نزع البركة من هذا المكان بسبب ذلك الملعون!
طبعًا، لا علاقة منطقية بين إفلاس المستشفيات وسرقة جوالي، لكن من حقي أن أبحث عن تفسير يمنحني بعض الرضا النفسي!
أما الفصل الثاني من المصيبة، فكان بانتظاري عند بائع الجوالات!
بعد أن استخرجت شريحة جديدة، توجهت إلى المحل نفسه الذي اشتريت منه «العنيد 2»، وأخبرت البائع بأن جهازي الجديد قد سُرق، وأنني أريد استرجاع جوالي القديم الذي بعته له بمبلغ 100 ريال.
ويا للمفاجأة!
وجدت جوالي القديم معروضًا للبيع بمبلغ 250 ريالًا!
سألته مستنكرًا:
- كيف تبيعه بـ 250 ريالًا، وأنت اشتريته مني بـ 100 ريال، وأكدت لي أن هذا سعره في السوق؟!
أجاب بكل برود بأن الأسعار ارتفعت، والطلب على الجهاز ازداد فجأة!
ارتفعت الأسعار؟! وش السالفة؟! هذه قطعة أرض في مخطط جديد، وإلا جوال مستعمل؟!
يعني خلال أسبوع واحد فقط، ارتفعت قيمة جوالي بنسبة 150%، بينما أنا لم أتمكن حتى من الاستمتاع بالجهاز الذي اشتريته بدلًا منه!
لكن كما يقول المثل: «مُكرَهٌ أخاك لا بطل».
اضطررت إلى شراء جوالي القديم مجددًا بمبلغ 250 ريالًا، وهو الجهاز نفسه الذي بعته قبل أيام بـ 100 ريال، لأدفع فوق قيمته 250 ريالًا أخرى وأحصل على الجهاز الجديد، الذي سرقه مني ذلك الكائن عديم الضمير!
والآن، أترك المسألة لأصحاب المواهب في الرياضيات:
كم خسرت في هذه الصفقة العبقرية؟!
واللي يحسب الخسارة ويطلع له رقم كبير، لا يعلمني! يكفيني أن الحرامي سرق جوالي، والبائع خلّاني أدفع فدية عشان أسترجع جوالي القديم!
أما الفصل الأخير، فهو ما ترتب على هذه الحادثة من آثار نفسية عميقة!
منذ ذلك اليوم، توقفت تمامًا عن إركاب عابري السبيل الذين يشيرون بأيديهم طلبًا للتوصيل، فقدت الثقة بهم جميعًا، وأصبحت أنظر إلى كل من يقف على قارعة الطريق وكأنه مشروع حرامي ينتظر ضحيته القادمة!
ومرت فترة على الحادثة، حتى جاء يوم كنت فيه بأحد الأسواق، وهممت بركوب سيارتي، وإذا برجل من إحدى الجنسيات يركض نحوي، ويخبرني بأن بطارية جواله نفدت، وأنه بحاجة ماسة إلى إجراء مكالمة عاجلة جدًا!
نظرت إليه، وصمتُّ لبرهة، ثم دار بيننا الحوار التالي:
- تبي تكلم بالجوال؟
- نعم، لو سمحت، ضروري جدًا!
- طيب، اركب السيارة أشوف!
ركب الرجل وجلس بجانبي، وما إن أغلق الباب حتى سارعت إلى إقفال أبواب السيارة جميعها!
وفجأة، بدأ المسكين يتلفت يمنة ويسرة، وقد تبدلت ملامحه، وبدا عليه الذعر الشديد!
واضح أنه بدأ يعيد حساباته، ويتساءل في نفسه عن المصيبة التي أوقع نفسه فيها، وربما صار يتمنى لو أنه انتظر حتى عاد إلى منزله، بدلًا من أن يطلب مكالمة هاتفية من شخص يبدو أنه متخصص في اختطاف البشر!
أخرجت جوالي من جيبي، ومددته إليه قائلًا بكل هدوء:
- يلا، تفضل!
ظل يرمقني بنظرات مرتابة، ومدّ يده نحو الجوال ببطء وحذر شديدين، وكأنه يتسلم جسمًا مشبوهًا!
أجرى مكالمته على عجل، ثم أعاد إليّ الجوال، فتسلمته منه، وبعدها فتحت أقفال الأبواب، وأذنت له بالمغادرة!
ترجل المسكين من السيارة سالمًا، بعدما تحولت مكالمته الهاتفية العاجلة إلى تجربة مرعبة، لم يكن يتصور أنه سيعيشها في يوم من الأيام!
أما أنا، فقد خرجت من تلك التجربة مطمئنًا إلى أن جوالي عاد إلى جيبي، وأنني نجحت أخيرًا في تقديم خدمة إنسانية دون أن أتعرض للسرقة!
وهكذا، كانت حصيلة التجربتين: حرامي سرق جوالي، وبريء كدت أتسبب له بعقدة نفسية من استخدام جوالات الآخرين!
والفضل في ذلك كله يعود إلى صاحب الشماغ الأحمر، الذي علّمني درسًا في الحذر، لكن يبدو أنني بالغت قليلًا في تطبيقه!



