السبت 31 أكتوبر 2026
مصادريكل المصادر
اختر الصحف التي تريد أخبارها
التنبيهات
أدب ورأي

الطريق إلى التعايش

محمد المحفوظالسبت 31 أكتوبر 2026، 3:38 م
الطريق إلى التعايش

حين الحديث عن التعايش بين مكونات وتعبيرات المجتمع والوطن الواحد، فإننا حقيقة نتحدث عن قيمتين أساسيتين، هما: قيمة الاختلاف وقيمة المساواة.

فينبغي أن نعترف بحقنا جميعًا بالاختلاف، وهذا الاعتراف ينبغي ألا يقود إلى التحاجز وبناء الكانتونات الاجتماعية المنعزلة عن بعضها، كما أنه ينبغي ألا يقود إلى التعدي على الحقوق.

فالتعايش هو حصيلة بناء علاقة إيجابية بين حق الاختلاف وضرورة المساواة. وأي خلل في هذه المعادلة، يضر بحقيقة التعايش في أي مجتمع ووطن.

ومفهوم التعايش بطبيعته ومضمونه، لا يلغي التنافس أو الخلافات بين المكونات والتعبيرات والأطياف، وإنما يحدد وسائلها، ويضبط مآلاتها. فالتعايش لا يساوي السكون والرتابة، وإنما يثبت الوسائل الإيجابية والسلمية لعملية التنافس والاختلاف، ويرفض الوسائل العنيفة بكل مستوياتها لفض النزاعات أو إدارة الاختلافات والتباينات.

كما أن مفهوم التعايش، لا يزدري الاختلافات والتباينات بكل مستوياتها، وإنما يعتبرها حالة طبيعية وجزءًا أساسيًا من الوجود الإنساني، ولكنه يرفض أن تتحول عناوين الاختلاف والتباين إلى وسيلة لامتهان كرامة المختلف أو التعدي على حقوقه الخاصة والعامة. فالتعايش كمفهوم وممارسة، لا يشرّع، بأي نحو من الأنحاء، لأي طرف، مهما كان الاختلاف والتباين، التعدي على الحقوق أو تجاوز الأصول والثوابت في التعامل مع المختلف وفق ضوابط العدالة والمناقبية الأخلاقية.

لذلك فإن خلق معادلة متوازنة وحيوية بين مفهومي الاختلاف والمساواة، هو جذر التعايش وجوهره النوعي. فالاختلاف لا يقود إلى الظلم والافتئات، بل يؤكد قيم العدالة والمساواة.

إذا تحققت هذه المعادلة، تحقق مفهوم التعايش في الفضاء الاجتماعي والوطني. ومن دون هذه القيم والحقائق لا يتحقق مفهوم التعايش في أي مجتمع وفضاء إنساني.

ووفق هذه الرؤية فإن التعايش، لا يساوي أن يتنازل أحد عن ثوابته ومقدساته، وإنما يساوي الالتزام بكل مقتضيات الاحترام والعدالة لقناعات الطرف الآخر، بصرف النظر عن موقفك الحقيقي أو العقدي منها.

وهذه ليست حالة تكاذب أو نفاق، كما يحلو للبعض أن يطلق عليها، بل هي جهد إنساني متواصل لتدوير الزوايا ومنع تأثير العوامل السلبية، التي توتر العلاقات بين المختلفين أو تعيدها إلى المربع الأول.

فالتعايش لا يقتضي الانشقاق أو التفلت من الثوابت أو الأصول لدى الأطراف، وإنما يقتضي الإصرار على خيار التفاهم وتوسيع المشترك وإدارة نقاط التباين وموضوعات الاختلاف بعقلية حضارية، توفر للجميع حق التعبير عن قناعاتها ووجهة نظرها، بعيدًا عن الإساءة إلى الطرف الآخر أو الأطراف الأخرى.

وعليه فإننا نعتقد وبعمق أن خيار التعايش بين مختلف الأطياف والمكونات، التي يتشكل منها المجتمع والوطن الواحد، هو من الضرورات الدينية والأخلاقية والوطنية، لأنه السبيل لضمان حقوق الجميع من دون تعدٍّ أو افتئات، كما أنه الإمكانية الوحيدة، وفق كل الظروف والمعطيات، لصيانة الأمن الاجتماعي والاستقرار السياسي والوطني. ومن يبحث عن الحقائق الأخيرة بعيدًا عن مفهوم التعايش ومقتضياته، فإنه يساهم في تأسيس بذور الكثير من الأزمات والكوارث الاجتماعية والسياسية. فالمجتمعات المتعددة، التي تحتضن تنوعات عمودية وأفقية إذا صح التعبير، بحاجة إلى جهد لإدارة هذه التنوعات بعيدًا عن إحَن الماضي أو هواجس الخصوم.

فالاستقرار العميق في كل الأوطان والمجتمعات، هو وليد شرعي لحقائق التعايش ومتطلباته حينما تسود المجتمع بكل فئاته وشرائحه وأطيافه.

وعليه فإن صناع الوعي والمعرفة والكلمة في مجتمعنا، يتحملون مسؤولية عظيمة في هذا الصدد. فهم معنيون راهنًا ومستقبلًا، بصناعة المعرفة التي تؤكد خيار التعايش، وتعمق أواصر التفاهم بين مختلف الأطياف. وهذا لا يتأتى إلا باشتراكهم الفعال في محاربة كل الأفكار التي تزرع الشقاق والأحقاد بين أبناء المجتمع والوطن الواحد.

لهذا فإن خطابات التحريض والتشدد والغلو ضد المختلف في الدائرة الوطنية والاجتماعية، لا تبني تعايشًا ولا تحافظ على الاستقرار السياسي والاجتماعي، لأنها وببساطة شديدة، تؤدي إلى خلق الحواجز النفسية والاجتماعية ضد المختلف، كما تساهم في إذكاء أوار التوتر والصدام. لهذا فإن الحديث عن التعايش، أو بالأحرى تبني هذا المفهوم وهذه المقولة، يقتضي الوقوف بحزم ضد كل مقولات التعصب والغلو والتشدد ضد المختلف. لأن الآثار الخاصة والعامة المترتبة على نزعة التعصب والغلو، كلها آثار مناقضة ومهددة لأسس وحقائق التعايش في الفضاء الاجتماعي.

لهذا فإن الصمت إزاء نهج التعصب والمقولات التحريضية، يعد مساهمة مباشرة وغير مباشرة في إفشال نهج التعايش في المجتمع والوطن.

وعليه فإننا نعتقد وبعمق أن التعايش هو وليد منظومة مفاهيمية واجتماعية وثقافية متكاملة. وإن من يتبنى نهج التعايش عليه أن يصوغ منظومة فكرية واجتماعية متكاملة، حتى يكون سلوكه وكل مواقفه منسجمة مع مقتضيات التعايش، وحتى يتمكن، من موقع الأنموذج والقدوة، من التبشير بهذا الخيار، ودعوة أبناء المجتمع إلى تبني هذا النهج كنهج يحفظ حقوق الجميع، ويصون استقرارهم، ويحافظ على مكتسباتهم. ومن الضروري أن ندرك جميعًا أن نقص أو ضمور حقائق التعايش في أي مجتمع وتجربة وطنية، يساهم في تقويض مشروعات التنمية البشرية، ويزيد من الفجوات العمودية والأفقية بين مختلف التكوينات الاجتماعية مما يجعل الأرضية الوطنية مهيأة للكثير من الانقسامات والتشظيات.

وبمقدار ما نتمسك بقيمة المواطنة بوصفها وعاءً حاضنًا لنا جميعًا، بالقدر ذاته نعيد صياغة علاقتنا بانتماءاتنا الخاصة. فالمواطنة بكل حمولتها القانونية والحقوقية، هي القادرة على استيعاب كل التنوعات والتعدديات. وهي التي تحول دون انحباس أحد في انتمائه الخاص. وهذا يتطلب منا جميعًا، مواطنين ومؤسسات رسمية وأهلية، العمل على صياغة مشروع وطني يستهدف تعزيز قيمة المواطنة. وإن تعزيز هذه القيمة في فضائنا الاجتماعي والوطني، يقتضي العمل على تفكيك كل الحوامل والحواضن الثقافية لظواهر التعصب والغلو والتشدد بكل مستوياتها. لهذا فإننا مع كل مبادرة، تعزز قيمة التفاهم بين الأشخاص والأطياف، ومع كل خطوة تساهم في تدوير الزوايا الحادة بين مختلف الفرقاء.