السبت 31 أكتوبر 2026
مصادريكل المصادر
اختر الصحف التي تريد أخبارها
التنبيهات
أدب ورأي

اللقب والروبيّة.. لوحة الأسماء

حسين علي حبيلالسبت 31 أكتوبر 2026، 3:39 م
اللقب والروبيّة.. لوحة الأسماء

ينقل أحد الزملاء أنه إبان دراستنا معًا في الجمهورية الهندية:

في أسبوعي الأول في بونا، وقفتُ مع جاري عند مدخل العمارة، أمام لوحةٍ عليها أسماء السكان شقّةً شقّة. كان يقرؤها كما يقرأ النوخذة النجوم: هذا من الساحل، وهذا من قرى الهضبة، وهذا من طبقة كذا.

سألته: كيف عرفت؟ قال: من اللقب. ثم شرح لي أن كثيرًا من ألقاب أهل مهاراشترا تنتهي بالمقطع «كَر»، وما قبله اسمُ القرية التي جاء منها الأجداد. وضرب لي مثالًا بلاتا مانجيشكار، المغنية التي يعرفها كل بيت هندي: أبوها هو الذي اختار هذا اللقب، نسبةً إلى قريته «مانجيشي» في غوا. القرية محفورة في الاسم، والاسم معلّق على الباب.

ضحكتُ في سرّي من مجتمعٍ يقرأ الإنسان من لقبه قبل أن يفتح فمه. وضحكتُ مرة أخرى في المطعم، حين سألني النادل: نباتي أم غير نباتي؟ «Veg or Non Veg?»؛ سؤالٌ عن الطعام في ظاهره، وعن أشياء أخرى في باطنه.

ثم بلغ جاري آخر سطر في اللوحة، حيث كُتب اسمي بحروف لاتينية وخطٍّ مستعجل. توقّف.. ثم قال: «عربي؟»، ثم: «دبي؟». قلت: البحرين. فهزّ رأسه تلك الهزّة الهندية التي تعني نعم ولا وربما في آنٍ واحد. لم يجد لي خانة. كنتُ، لأول مرة في حياتي، رجلًا بلا ملفّ.

ولد منو إنت؟

ثم عدتُ إلى البحرين، فعاد إليّ ملفّي كاملًا.

«كلنا عيال قرية»، كما يقول مثلنا الخليجي، وفي القرية لا يبقى أحد غريبًا. لذلك قد يسبق السؤالُ السلامَ في المجلس، وعند كل تعارف جديد: «ولد منو إنت؟»، ثم: «من أي ديرة؟».

وما إن أجيب حتى أرى الدفتر يُفتح في عينَي محدّثي. قبل أن أكمل جملتي الأولى يكون قد عرف، أو ظنّ أنه عرف، من أين جاء أهلي، وأي فريق رياضي أشجّع، وماذا سأقول قبل أن أقوله.

حينها فهمت أن جاري في بونا لم يكن غريبًا عنا؛ كان مرآتنا. ففي ألقابنا مدنٌ وقرى كاملة كما في ألقابهم، وياء النسبة عندنا تؤدي عمل «كَر» عندهم: تحمل المكان في الاسم، وتعلّقه على الباب. وما لا يقوله اللقب يقوله الفريج، وما لا يقوله الفريج تقوله اللهجة.

الطبقة المدفونة

والأخطر أن هذه القراءة لا تقف عند الأفراد؛ فنحن نقرأ الأمم بالطريقة نفسها، ونقرأ بها تاريخنا أيضًا.

في سلّمنا الصامت صار «الهندي» وصفَ وظيفة قبل أن يكون اسم بلد: عامل البناء، والسائق، وصاحب البرّادة.

لكن الوثائق لا تعرف سلّمنا. أجدادنا عدّوا رزقهم بالروبية الهندية، ثم بروبية خاصة أصدرتها الهند للخليج سنة 1959، ولم يأتِ الدينار إلا سنة 1965، بعشر روبيات للدينار.

ولؤلؤنا، عرقُ الغاصة وثروة الطواويش، كان أكثره يُشحن إلى بومبي حتى مطلع القرن العشرين، وهناك يُفرز ويُثقب ويُعاد بيعه. وفي «دليل الخليج» الذي جمعه لوريمر لحكومة الهند أن أسعار اللؤلؤ كانت تُحسب بأربعة مقاييس يسمّي كلًّا منها «چاو»: چاو بومبي، وچاو البحرين، وچاو قطر.. وچاو بونا. والتاجر الذي يتقنها جميعًا قد يشتري بمقياس ويبيع بآخر، فيربح.

وبريطانيا نفسها جاءتنا من الهند: كان المقيم السياسي البريطاني في الخليج تابعًا لحاكم بومبي، ثم للحاكم العام في الهند، حتى استقلالها سنة 1947. وما زالت الهند في أفواهنا؛ نقول «بانكة = مروحة»، و«جوتي = حذاء»، و«سيده = إلى الأمام»، ولا ننتبه. ثم جاءت أجيال من أبنائنا درست في بونا وغيرها من مدن الهند، وعادت مهندسين وصيادلة ومحاسبين.

«حداثتنا بريطانية أمريكية» مقولة جاهزة أخرى. ليست كاذبة، لكنها ناقصة نقصًا انتقائيًا: تحفظ الطبقة التي نحترمها، وتدفن الطبقة التي صنّفناها أدنى. قال إرنست رينان في محاضرته «ما الأمة؟» سنة 1882 إن النسيان، بل الخطأ التاريخي، عاملٌ جوهري في نشوء الأمم. وأزيد عليه: نحن لا ننسى عشوائيًا، بل ننسى بالترتيب نفسه الذي نصنّف به. لم ندفن الهند لأن الأدلة غابت، بل لأن اللقب سبق الدليل.

رجل بلا ملف

هناك كنت الغريب الذي لا يجد له أحدٌ خانة، وهنا أنا ابن الدار الذي يُقرأ قبل أن يتكلم. تعلّمت في بونا أن أقرأ الألقاب، وأحاول في البحرين أن أنساها.

ولعلّ أثمن ما حملته من الهند لم يكن شيئًا تعلّمته، بل أيامًا لم يعرف فيها أحدٌ من أنا، فاضطر أن يسمعني. تلك حرية نادرة: أن تُسمَع قبل أن تُقرأ.

كان تاجر اللؤلؤ الحاذق يعرف أربعة مقاييس، ونحن لا نعرف إلا مقياسًا واحدًا: اللقب. وأجدادنا عدّوا رزقهم بالروبية، ونحن ما زلنا نعدّ الناس بألقابهم؛ الأولى تغيّرت سنة 1965.. والثانية لم تتغير بعد.

وكلما سألني أحدٌ اليوم «ولد منو إنت؟» تمنّيت لو أهزّ رأسي كما هزّه جاري هناك، هزّةً تعني نعم ولا وربما، ثم أقول: اسمعني أولًا، ثم صنّفني إن شئت.