السبت 31 أكتوبر 2026
مصادريكل المصادر
اختر الصحف التي تريد أخبارها
التنبيهات
أدب ورأي

النية مصدر للقوة والبركة

مصطفى صالح الزيرالسبت 31 أكتوبر 2026، 3:36 م
النية مصدر للقوة والبركة

قد يملك الإنسان قدراتٍ ومواهب كثيرة، لكنه لا يستثمرها كما ينبغي، وقد تكون لديه إمكانات محدودة، إلا أن صدق نيته يمنحه دافعًا أكبر، ويعينه على مواصلة الطريق وبذل المزيد من العطاء. فالنية ليست مجرد خاطرٍ يمر بالقلب، بل هي البوصلة التي توجه العمل، وتمنحه قيمته ومعناه.

يقول الله تعالى على لسان نبيه هود

:

﴿وَيَا قَوْمِ اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ ثُمَّ تُوبُوا إِلَيْهِ يُرْسِلِ السَّمَاءَ عَلَيْكُم مِّدْرَارًا وَيَزِدْكُمْ قُوَّةً إِلَى قُوَّتِكُمْ وَلَا تَتَوَلَّوْا مُجْرِمِينَ﴾ [هود: 52].

ومن المعاني التي ذكرها بعض المفسرين في قوله تعالى: ﴿وَيَزِدْكُمْ قُوَّةً إِلَى قُوَّتِكُمْ﴾ أن الله يزيدهم قوة الإيمان إلى قوتهم البدنية. ويمكننا أن نتأمل في سعة معنى القوة في حياة الإنسان؛ فكما يطلب من الله أن يزيده قوةً في بدنه، يسأله أن يزيده في علمه، وفهمه، ووعيه، ومعرفته، وذكائه، وحكمته، وأن يبارك له في ذريته وأمواله وصحته وقدراته، وفي كل ما ينفعه في دينه ودنياه. فليس للإنسان أن يحصر أبواب الزيادة في جانب واحد من حياته، بل يسأل الله الخير والبركة في شؤون حياته كلها، مع السعي والأخذ بالأسباب.

النية الصالحة.. روح العمل ومحرك الإرادة:

للنية أثر كبير في حياة الإنسان؛ فهي التي تحدد الغاية من سعيه، وتساعده على الثبات أمام الصعوبات. وقد ورد عن الإمام زين العابدين : «لا عمل إلا بنية»، وعن الإمام الصادق : «ما ضعف بدن عما قويت عليه النية».

فحين تصدق النية في طلب العلم، والعمل، وخدمة الناس، وبذل الخير، يصبح الإنسان أكثر حرصًا على الإتقان والاستمرار، وتتحول طاقته إلى عطاء نافع. وقد لا تتغير طبيعة العمل في ظاهره، لكن النية الصالحة تمنحه معنى أعمق وأثرًا أعظم.

النية الصالحة في متناول يد الجميع:

ومن الجميل أن النية ليست حكرًا على العلماء أو العباد أو أصحاب الأعمال الدينية؛ بل يستطيع كل إنسان أن يستحضرها في موقعه ومسؤوليته. فالموظف حين ينوي إتقان عمله وخدمة الناس، والأب والأم حين يسعيان لرعاية أسرتهما وتربية أبنائهما، والطالب حين يطلب العلم لينفع نفسه ومجتمعه، والعامل والتاجر حين يتحريان الحلال والأمانة؛ كل هؤلاء يستطيعون أن يجعلوا من أعمالهم أبوابًا للخير والأجر.

بل تمتد النية إلى تفاصيل الحياة اليومية؛ في الطعام والنوم والراحة، متى قصد الإنسان بها الاستعانة على أداء مسؤولياته وطاعة الله. وهكذا لا تبقى النية محصورة في المسجد أو الحسينية، بل ترافق الإنسان في بيته وعمله وشارعه، وفي كل مكان يسعى فيه إلى نفع مشروع.

ليست كثرة العمل وحدها هي المعيار:

ولا يكفي أن يكثر الإنسان من الأعمال، فالعبرة كذلك بسلامة القصد وحسن الأداء. يقول الله تعالى: ﴿الَّذِي خَلَقَ الْمَوْتَ وَالْحَيَاةَ لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا﴾ [الملك: 2].

وقد ورد عن الإمام الصادق في تفسيرها: «ليس يعني أكثركم عملًا، ولكن أصوبكم عملًا، وإنما الإصابة خشية الله والنية الصادقة والحسنة».

وهنا تظهر أهمية الإخلاص؛ فليس المقصود أن يعمل الإنسان ليحصل على مدح الناس أو إعجابهم، وإنما أن يجعل رضوان الله غايته، مع الحرص على أداء العمل بإتقان. فالنية الصالحة لا تعني ترك الأسباب أو الاكتفاء بالتمني، بل تمنح السعي وجهته وتعين صاحبه على مواصلته.

ابدأ من عملك اليومي:

تأمل كم يمكن للنية الصالحة أن تغيّر نظرتنا إلى الحياة: أن تذهب إلى عملك بنية الكسب الحلال، وتساعد محتاجًا ابتغاء مرضاة الله، وتربي أبناءك على الخير، وتخدم في المسجد أو الحسينية، أو تسعى إلى الذرية الصالحة وتربيتها؛ فتلك أعمال مختلفة، يجمعها قصد الخير وطلب رضا الله.

وقد لا تتحقق كل أمنية بمجرد النية، لكن النية الصادقة تمنح الإنسان أجر قصده، وتعينه على بذل الأسباب، وتفتح أمامه أبوابًا من التوفيق والبركة لا يحيط بها علمه.

فلنجعل لنا مع بداية كل يوم نيةً صالحة، ولنجعل أعمالنا خالصة لوجه الله سبحانه بحب محمد وآل محمد

لا بمجرد الانتساب إليهم، بل بالاقتداء بأخلاقهم في الصدق والأمانة والرحمة وخدمة الآخرين.

فربما كان العمل الذي نراه بسيطًا عظيمًا عند الله بصدق النية، وربما منحتنا النية الصالحة قوةً لنواصل بها طريق الخير، ونترك بها أثرًا طيبًا في حياة الآخرين.

نسأل الله أن يرزقنا صدق النية، وإخلاص العمل، وأن يزيدنا قوةً في الإيمان والعلم والوعي والصحة والعطاء، ويبارك لنا في أرزاقنا وأهلينا وذرياتنا، ويوفقنا لما يحب ويرضى. والحمدلله رب العالمين.