تعلّم من الحرباء.. فن اتخاذ القرار الصائب


لم يكن عبثًا أن يوجّه الخالق أنظار البشر إلى عالم المخلوقات؛ فتارة يأتي النداء صريحًا حاسمًا: «أَفَلَا يَنْظُرُونَ»، وتارة يجيء التلميح في قصص تهزّ الوجدان، لتلفت ألبابنا إلى حكم ملهمة بثّها الله في أطراف هذا الكون. إنها الحرباء.. هذا الكائن الهادئ الغريب الذي لا يهرول، ولا يندفع، وكأنها خُلقت لتقول للإنسان وسط فوضى القرارات العاجلة: ”لا تتعجل.. ففي الصبر الظفر“.
حديثنا اليوم ليس عن زاحف يتوارى بين الأغصان، بل عن مدرسة في التريث، والهدوء، وانتظار اللحظة المناسبة. فلو تأملنا عالم الحرباء، لاكتشفنا سلوكًا يستحق التأمل، وطريقة في التعامل مع الحياة يمكن أن نتعلم منها الكثير.
1/ التريث مفتاح الثقة
هذا الكائن العجيب يدهشني؛ لو جلست أنظر إليه لساعات طويلة لما مللت. لونه المتقلب، ومشيته الهادئة، وانتظاره الطويل.. كل ذلك يجعلني أتساءل: كيف يعيش هذا الكائن؟
إنها لا تطارد فريستها في كل اتجاه، ولا تبدد طاقتها في مطاردة عشوائية، بل تنتظر. تأملها كيف تحدق في فريستها الطائرة.. تراقب حركتها، وتقدّر المسافة، وتتهيأ للحظة المناسبة. ثم، بعد انتظار طويل، ينطلق لسانها في لحظة خاطفة نحو هدفها.
صبر طويل.. ثم ضربة واحدة موفقة. وهنا أتساءل: لماذا لا نتعلم من الحرباء فن اتخاذ القرار؟
كم من إنسان أفسد حياته بقرار اتخذه في لحظة غضب؟ وكم من علاقة انقطعت بكلمة قيلت في ساعة انفعال؟ وكم من أب عاقب ابنه قبل أن يعرف الحقيقة؟ وكم من مسؤول اتخذ قرارًا متسرعًا، ثم أمضى سنوات يتمنى لو أنه انتظر قليلًا؟
أتذكر قصة لا تزال ترعبني كلما تذكرتها.. قصة طفل لعب بالكرة فكسر زجاج نافذة عن غير قصد، فغضب والده غضبًا شديدًا وضربه بعصا. ثم اتضح أن في العصا مسمارًا صدئًا أصاب يد الطفل، فتسمم جرحه، وانتهت الحادثة بمأساة قاسية أصابت الأسرة كلها.
لا أدري مدى صحة تفاصيل هذه القصة، لكن معناها بقي في نفسي؛ لأن فيها درسًا مؤلمًا: لا تتخذ قرارًا وأنت في فوران العاصفة.
إذا غضبت.. توقف. وإذا اشتد انفعالك.. انتظر. وإذا شعرت أنك على وشك اتخاذ قرار مصيري.. دع العاصفة تهدأ أولًا. وحين تستعيد هدوءك، انظر إلى الأمر بعقل أكثر اتزانًا، ثم اختر قرارًا ناضجًا. ففي العجلة الندامة، وفي التأني السلامة.
وقد قلت يومًا لزميل: ماذا أفعل مع طالب ارتكب جنحة سلوكية؟ توقف قليلًا وقال: ”اصبر“. ثم أراد أن يضيف شيئًا، فتوقف مرة أخرى وقال: ”ثم اصبر.. مالك غير الصبر“. كانت كلماته قصيرة، لكنها بقيت في ذاكرتي.
فبعض المواقف لا تحتاج قرارًا سريعًا، وإنما تحتاج أن تمنحها وقتًا حتى تكشف لك حقيقتها.
2/ الملاحظة قبل القرار
من عجائب الحرباء أن عينيها تتحركان بصورة مستقلة، فتستطيع مراقبة أكثر من اتجاه في الوقت نفسه. وهذه الميزة تجعلني أتأمل في معنى مهم من معاني الحياة: لا تتخذ قرارك من زاوية واحدة.
كم من إنسان رأى جانبًا واحدًا من المشكلة، فبنى عليه حكمًا كاملًا؟ وكم من إنسان سمع كلمة واحدة، فأصدر حكمًا؟ وكم من إنسان رأى الخطأ ولم يبحث عن سببه؟ القرار الناضج لا يولد من معلومة واحدة، ولا من انطباع عابر، وإنما من النظر في الصورة كاملة.
ضع عينًا على المشكلة، وعينًا على أسبابها. انظر إلى الخطأ، وانظر إلى الظروف التي صنعته. راقب الفرصة، ولكن لا تغفل عن المخاطر. استمع إلى ما قيل، ولا تهمل ما لم يُقال. إن كثيرًا من الأخطاء لا تأتي من سوء النية، وإنما من ضيق الرؤية. ولذلك فإن الحكيم لا يسأل فقط: ماذا حدث؟ بل يسأل أيضًا: لماذا حدث؟ وماذا وراءه؟ وماذا سيحدث إذا اتخذت هذا القرار؟
3/ التكيف مع المتغيرات
ومن أكثر ما يلفت النظر في الحرباء قدرتها على تغيير لونها. وقد ارتبط هذا السلوك في أذهان الناس بفكرة التكيف مع البيئة، مع أن تغير اللون لدى الحرباء له وظائف متعددة، منها التواصل والاستجابة للحرارة والحالة الفسيولوجية، وليس مجرد التخفي كما هو شائع. وهنا درس آخر: غيّر أسلوبك.. ولا تغيّر مبادئك.
الحياة متغيرة، والناس مختلفون، والظروف لا تثبت على حال. قد تحتاج في موقف إلى الحزم، وفي موقف آخر إلى اللين. قد تحتاج مع شخص إلى الصمت، ومع آخر إلى الحوار. وقد يكون الطريق الذي ظننته مناسبًا بالأمس غير مناسب اليوم. وهذا لا يعني أن تتخلى عن هويتك، وإنما يعني أن تكون مرنًا في الوسائل، ثابتًا في الغايات.
فالعاقل لا يصطدم بكل تغير، ولا يصر على طريقة واحدة لمجرد أنه اعتادها. إنما يقرأ الواقع، ثم يختار الوسيلة التي تناسبه.
4/ الثبات وسط التقلبات
رغم هدوئها، تمتلك الحرباء أقدامًا وذيلًا يساعدانها على التشبث بالأغصان والمحافظة على توازنها. وهذا يذكرني بأن الهدوء لا يعني الضعف. قد تتحرك الحرباء ببطء، لكنها لا تفقد توازنها. وفي الحياة، قد تتغير الظروف من حولك، وتتبدل آراء الناس، وتأتيك أيام مضطربة، لكن عليك أن تعرف أين تقف.
تمسّك بمبادئك. لا تجعل غضب الآخرين يحدد قراراتك. ولا تجعل ضغط اللحظة يدفعك إلى طريق تندم عليه. فالحياة تحتاج إلى مرونة في الحركة، وثبات في الأصل. وهذه معادلة جميلة: تكيّف دون أن تتنازل، واهدأ دون أن تستسلم، وانتظر دون أن تتوقف.
5/ الصبر ثم الانقضاض
وربما كان أجمل ما في الحرباء ذلك التناقض العجيب بين بطء الحركة وسرعة الهجوم. تراها هادئة.. ساكنة.. تتحرك ببطء شديد. ثم فجأة ينطلق لسانها نحو الفريسة بسرعة خاطفة.
وكأنها تقول لنا: ليس المهم أن تتحرك بسرعة طوال الوقت، بل أن تعرف متى تتحرك.
بعض الناس يظنون أن النجاح في كثرة الحركة. يتحدث كثيرًا، ويبدأ مشاريع كثيرة، ويتخذ قرارات متتابعة، ثم يكتشف بعد ذلك أنه كان يتحرك دون اتجاه. أما الحكيم، فقد يبدو ساكنًا في عيون الآخرين، لكنه في الحقيقة يراقب، ويدرس، ويخطط. وحين تأتي اللحظة المناسبة.. يتحرك. وهنا تكمن قيمة الصبر.
الصبر ليس انتظارًا سلبيًا. الصبر أن تستعد وأنت تنتظر. أن تجمع المعلومات، وأن تراجع حساباتك، وأن تهدأ مشاعرك، وأن تدرس النتائج. ثم إذا اكتملت الصورة.. اتخذ القرار. فالصبر بعد صبر خير من ندم بعده ندم.
في الختام لو تأملنا الحرباء، لاكتشفنا أن هذا الكائن الصغير يحمل لنا درسًا كبيرًا: لا تكن سريعًا في كل شيء. اهدأ قبل أن تحكم. راقب قبل أن تقرر. تكيف مع المتغيرات، لكن لا تفقد أصلك. وانتظر الفرصة، فإذا جاءت فلا تتردد. فليست الحكمة في أن تكون أسرع الناس قرارًا، وإنما في أن تكون أصوبهم قرارًا.
ولهذا أحب أن أتأمل الحرباء.. صمت طويل.. ونظرة دقيقة.. وانتظار هادئ.. ثم ضربة واحدة في الوقت المناسب. فلماذا لا نتعلم من الحرباء فن اتخاذ القرار الصائب؟



