الثلاثاء 3 نوفمبر 2026
مصادريكل المصادر
اختر الصحف التي تريد أخبارها
التنبيهات
أدب ورأي

أقلام

الدكتور ماهر آل سيفالإثنين 2 نوفمبر 2026، 11:12 م
أقلام

قرأتُ مقالًا بديعًا للكاتب الأديب كمال الدوخي بعنوان «التسول الأدبي… لايك لوجه الله يا محسنين»، فوجدتُ بين سطوره سؤالًا يستحق التأمل، وموقفًا يستوجب التفكّر: لمن نكتب؟ ولمن نصفّق؟ ولمن نبيع المواقف؟

أيكتب الأديب ليوقظ عقلًا، أم ليستجدي إعجابًا؟ أينظم الشاعر ليحيي شعورًا، أم ليحصد تصفيقًا؟ أيؤلّف المثقف ليترك أثرًا، أم ليصنع لنفسه مجدًا وصيتًا وشهرةً وحضورًا؟

إن القلم الذي لا يحمل رسالة، مجردُ ريشةٍ تبحث عن زينة؛ والكلمة التي لا تخدم حقيقة، مجردُ ضجيجٍ يبحث عن قيمة.

ليس عيبًا أن يُعجب الناس بما نكتب، ولكن العيب أن نكتب ما يُعجبهم ولو خالف ما نعتقد. وليس المجد في كثرة المصفّقين، بل في صدق المواقف، ونبل المقاصد، وأثر الحروف في إصلاح النفوس.

والقراء ليسوا سُذّجًا تُستغفل عقولهم، ولا أرقامًا تُستجدى أصابعهم؛ فكثيرٌ منهم يقرأ ما وراء السطور، ويميز بين صاحب الرسالة وبائع العبارة، وبين من يكتب ليُنير، ومن يكتب ليستثير.

وما نراه في الأدب نراه في الحياة؛ فكم من إنسانٍ رأى الخطأ فزيّنه، وشهد الظلم فبرّره، وسمع الباطل فصفّق له! لا اقتناعًا بالموقف، بل خوفًا على المنصب، أو حفاظًا على الصداقة، أو مجاملةً لقريبٍ أو مدير.

ثم يسمّي ذلك ذكاءً اجتماعيًا، وما هو إلا عجزٌ عن قول الحق، وتجميلٌ للباطل، وتنازلٌ عن المبدأ!

فالذكاء الاجتماعي أن تحفظ الودّ دون أن تخون الحق، وأن تختلف بأدب دون أن تتنازل عن القيم، وأن تجامل في الذوق لا في الحقوق.

وليس كل اختلافٍ عداوة، ولا كل صراحةٍ قسوة، ولا كل تصفيقٍ محبة؛ فقد يصفّق لك منافقٌ ليُرضيك، وينتقدك صادقٌ ليحميك.

والمجتمع لا يحتاج أقلامًا تُجيد تزيين الأخطاء، ولا وجوهًا تتلوّن بتغيّر الأهواء؛ بل يحتاج ضمائر تُنصف، وعقولًا تُنصف، وكلماتٍ تُصلح ولا تفضح، وتُرشد ولا تجرح.

أيها الكاتب، لا تجعل قلمك مرآةً لغرورك، بل نافذةً لنورك؛ ولا تجعل ثقافتك سلّمًا لشهرتك، بل جسرًا لخدمة مجتمعك.

اكتب لتُوقظ لا لتتسوّل، وانصح لتُصلح لا لتتجمّل، واثبت على الحق ولو غاب التصفيق.

فكم من كلمةٍ لم تنل إعجابًا، لكنها أيقظت ضميرًا؛ وكم من مقالةٍ حصدت آلاف الإعجابات، ولم تُصلح فكرًا، ولم تُغيّر مصيرًا!

فالقلم الشريف لا يُقاس بعدد من صفّقوا له، بل بعدد من أضاء لهم الطريق.