الخميس 5 نوفمبر 2026
مصادريكل المصادر
اختر الصحف التي تريد أخبارها
التنبيهات
أدب ورأي

مرافئ الخوف في الفنون

عماد آل عبيدانالخميس 5 نوفمبر 2026، 7:51 م
مرافئ الخوف في الفنون

يُلقي الكاتب نصَّه في بئر عميقة.. خوفًا من تعليق واحد أو نقد هدّام ويحفظ بعض الممثلين أدوارهم ثم يترقبون عثرة صغيرة أمام جمهور الصالة. يتمرّن الملقي على كلماته ويراقب صوته.. كأن الجمهور بدأ محاكمته قبل أن ينطق. لكلّ مشهد من هذه المشاهد مرفأ يرسو إليه الخوف.

عين الآخرين مرفأ من مرافئه.. خشية الإحراج وسوء التلقي ونقدٍ يمسّ صاحب العمل بدل أن يناقش العمل. وقد يتخذ الخوف صورة قلق الأداء المرتبط بالقلق الاجتماعي.. فينحصر في الظهور أمام الناس كالتمثيل أو الإلقاء أو العزف. ويعتمد التشخيص على استمرار الخوف من التقييم ستة أشهر أو أكثر.. وعلى تجنب الموقف أو احتماله بضيق شديد.. وعلى أثره في حياة الشخص. أما ”الرهاب الثقافي“ فتسمية وصفية لهذا العائق في المجال الفني.. لا تشخيص طبي مستقل.

الخروج عن المألوف يفتح مرفأ آخر للخوف. يخشى المبدع أن يكتب على طريقته أو يجرّب شكلًا جديدًا أو يطرح عملًا جريئًا فيُساء فهمه. وفي عام 2019 نشر ريتشارد داكر وروبرت كورتس وآدم غرين وإيان ليونز دراسة ”قلق الإبداع: دليل على قلق خاص بالتفكير الإبداعي من العلوم والتقنية إلى الفنون“ في Journal of Experimental Psychology: General. رصدت الدراسة قلقًا يتصل بممارسة الإبداع وارتباطه بفروق في الإنجاز الإبداعي والاتجاهات نحو الإبداع. يظل هذا المفهوم مجالًا بحثيًا ناشئًا.. لا تشخيصًا سريريًا معتمدًا.

سفينة هذا الخوف هي سلوك التجنب.. يحذف الكاتب ما قد يثير النقد.. يؤخر الممثل مشاركته المرتقبة.. يحتفظ الفنان بلوحته بعيدًا عن الناس. يخفف الانسحاب الضغط في لحظته، ويحرم صاحبه من خبرة تصحح توقعاته وتعينه على مواصلة الإبداع. وتبقى المخاوف بلا اختبار.

ولأسباب أخرى قد يتوقف الكاتب.. فتعطّل الكتابة يرتبط بعوامل جسدية ودافعية ومعرفية وسلوكية. رصدت هذه العوامل دراسة سارة أحمد وسي. دومينيك غوس ”تحليل تعطل الكتابة: الأسباب والحلول“ المنشورة عام 2022 في Creativity Research Journal. شارك فيها 146 كاتبًا، وتناولت تعدد أسباب التعطل ومواضعه في عملية الكتابة. وقد يجتمع هذا التعطل مع الخوف من التقييم عند بعض الكتّاب.. ويظل لكل منهما مساره وأسبابه.

يتدرج التدريب من قراءة النص أمام شخص موثوق إلى مجموعة صغيرة ثم جمهور أوسع. يجرّب الممثل مشهده أمام مستمعين قبل العرض.. ويعرض الفنان عمله على قارئ يوجه نقدًا بنّاءً إلى العمل ويميزه من الحكم على صاحبه. ويترك الكاتب مسودته تكتمل قبل المراجعة.. كيلا يجلس الناقد المتخيّل إلى جانبه منذ السطر الأول. ويستخدم المختص التعرض التدريجي والعلاج المعرفي السلوكي للتعامل مع القلق الاجتماعي.. ويحدد ما يلائم الحالة.

تخفف ورشة تتيح التجريب.. ومدرب يوجه من دون إذلال.. وجمهور ينتقد العمل من غير أن ينال من صاحبه.. كلفة البداية. ويستطيع المختص مساعدة من يطول خوفه أو يعطل عمله وعلاقاته. تتصل بعض المخاوف بتجربة الفرد.. وتتغذى أخرى من البيئة التي تستقبل بداياته؛ ومن هذه المرافئ تتحدد مسافة العمل بين صاحبه والناس.