السبت 7 نوفمبر 2026
مصادريكل المصادر
اختر الصحف التي تريد أخبارها
التنبيهات
أدب ورأي

أفكارٌ صَلبة وخيالاتٌ سَائلة.. رهاناتُ ناقدٍ مُستقبَلي

محمد الحميديالسبت 7 نوفمبر 2026، 3:30 م
أفكارٌ صَلبة وخيالاتٌ سَائلة.. رهاناتُ ناقدٍ مُستقبَلي

لن يتوقف الحديث عن النقد طالما استمر الإبداع بالوجود، فثمة تلازم وثيق بينهما، إذ لا يمكن لأحدهما الحياة بينما الآخر يموت، إذن من الإبداع ينطلق النقد لمقاربة مناحي الحياة؛ لأنه أداة الإنسان وطريقته لاكتشاف الوجود، مثلما هو أداة لبث لواعجه ومشاعره ورغباته.

التلازم بين البيئة والإبداع يشمل مستويات عدَّة، تبدأ باللفظ والمعنى، ولا تتوقف عند التوازن والسجع والقافية، حيث تصل إلى الأسلوب واللغة والبلاغة، وتتجه نحو الاقتصاد والفلسفة والطب، وتستفيد من المنطق والإحصاء والحساب، فهي تتضمن جميع العلوم والمعارف والخبرات، التي تمثِّل الإطار العام للكتابة.

هنا ينبغي أن يقارب المبدع موضوعاته بدقة، فليست الكتابة والتأليف مجرَّد عمل خيالي، يقع خارج الأطر والقواعد المتعارفة، إذ هو فعل ثقافي بين الكاتب والمتلقي، يبدأ من لحظة القراءة والتعرف على اللغة، وصولاً إلى لحظة الكشف عن الفكرة والقبول بها.

ليست جميع الأفكار مقبولة، فمنها ما ينافي المنطق والواقع، ومنها ما ينافي الحقائق والثوابت، ومنها ما يستدعي الهذيانات والأوهام، ومنها ما يغوص في أعماق النفس بلا نتيجة سوى البؤس والاكتئاب؛ لهذا ستكون الأفكار محكًّا للكاتب والمتلقي، الكاتب باعتبار القدرة على التأليف المتماسك، والقارئ باعتبار القبول وعدم القبول.

مثلما هنالك في الحياة أجزاء مخفية ومعارف غير مدركة وأسرار لا يجوز الكشف عنها، كذلك الأمر في الإبداع والكتابة ثمة أمور لا يجوز التعبير عنها بألفاظ مباشرة ومقاربتها كأنها أمور طبيعية؛ ما يجعل العلاقة بين الاثنين متوتِّرة على الدوام.

التوتُّر منشؤه استقبال المعنى والاقتناع به، إذ العملية الإبداعية لا تكتفي بالخلق والإيجاد، بل تصل حدَّ الإتقان والتناسق، وهما عنصران أساسيان من عناصر الحياة لأيِّ مكتوب، والنصوص التي تفتقدهما تعيش زمناً ثم تمضي، فتنال الشهرة والانتشار، وإذا تغيَّر الزمن سقطت وباتت بلا جدوى.

عدم جدوى الكتابات يعني شيئاً واحداً، أنها لا تقدم فائدة للوسط الثقافي الذي تنتمي إليه، وهو ما يمكن رؤيته في أكثر من عنصر من عناصرها، كاللفظ والمعنى، والفكرة والتركيب، والخيال والعاطفة، وطريقة المعالجة والطرح، وجميعها تنتمي إلى القواعد والقوانين الأساسية لكيفية الكتابة وتنظيمها، وهو مدار عمل الناقد وأهم ما يشتغل عليه.

ينظر الناقد إلى النصوص ككائنات حية تعيش في مجتمعات وتمارس أدوارها ضمن مستويات لا يمكن إدراكها بالعين المجردة، إذ تحتاج بصراً يقرأ ما وراء اللفظ والمعنى، فيشاهد الفكرة والتركيب، ويوازن بين ترتيب المكتوب وتنسيق الطرح وكيفية إيصاله إلى المتلقي، كما يغوص في أعماق الكتابات لاكتشاف أسبابها وصلاتها بما حولها وما سبقها، ولماذا استعان كاتب بأسلوب ورفض آخر، ومتى أوصل الفكرة، وأين أخفق في التعبير، وإلى أين أوصل القارئ، وكيف ابتعد عنه، والأهم ماذا قدَّم للمستقبل والثقافة وعالم الكتابة والتأليف؟

أسئلة كثيرة وكبيرة تدور في ذهن القارئ للإبداع، إذ العملية القرائية لا تتوقف عند حدود المعرفة الدنيا، بل تتجاوزها إلى أعماق النصوص والكتابات، فتربط بينها وتكتشف آفاقها، وهنا تأتي وظيفة الناقد الذي يقوم بالربط والاكتشاف، وتمييز الأفكار الصلبة والمتماسكة عن الأفكار السائلة والمتداعية.

يعمل الناقد على مقاربة الكتابات الإبداعية وقراءتها باعتبارها منتجات آنية، أنجزتها كائنات أدبية تنتمي للُغةٍ وثقافةٍ متوارثة، تمارس تأثيراً على الكاتب حينما يكتب، وتقوم بتوجيهه ليتوافق مع الثوابت الراسخة، وهو أمر قد لا يدركه غالبية الكتاب، حيث اللغة والثقافة تشارك المبدع في إنجازه لنصوصه وكتاباته.

وظيفة الناقد يتمثَّل جزء منها في اكتشاف التأثير العميق للثقافة واللغة، ومدى خضوع المبدع للذائقة، وعدم خروجه على القوانين، ويتمثَّل جزء آخر منها في إعداده للمستقبل، وفتح الخيارات المختلفة أمامه، فإذا كانت الثقافة تتجه ناحية الانكفاء فإن على النقد أن يرفع صوته عالياً للتحذير من بلوغها حالة التشبع والاكتفاء، وهو ما يؤدي في النهاية إلى التوقف عن الإبداع.

النظر إلى المستقبل وفتح الأبواب أمام المبدعين، إحدى أصعب وظائف النقد، فالعين التي ينظر بها الناقد ينبغي ألَّا تكتفي بالراهن، بل تتجاوزه لتعيد تشكيل المشهد بعد عام وعامين وعشرة، وربما مئة وألف أو أكثر، ثم إنَّ عليه ألَّا يبقى في المستقبل، بل أن يعود إلى راهنه ويقرأ منجزات عصره ولا ينقطع عنها.

مثلما البقاء في الماضي والسكن مع مفرداته وثقافته أمر أساسي للناقد، كذلك معايشة الراهن والاطلاع عليه لا يقل أهميَّة، أما الاتجاه إلى المستقبل ومحاولة قراءته فتلك وظيفة معقدة، تحتاج انفصالاً عن السابق، وخيالاً ينفتح على اللاحق، والأمران من النادر أن يجتمعا في شخص واحد.