ضالته المشاكل

مهارة عالية وقدرات عجيبة في توظيف ملكة التفكير وتآزرها مع خطوات تنفيذية لما يتوصل إليه من قرار، ولكنها - للأسف - تستخدم في المكان الخاطئ، إنها فن تعكير صفو الأجواء الهادئة واختلاق المشاكل وتوليدها كنوع من الهوايات العجيبة، فهناك من يفكر ويبحث عن طرق الخلاص من المشاكل التي تواجهه أو الضغوط النفسية المؤرقة، نجد هناك من لا يحب رؤية العلاقات الناجحة والتي تتضمن معاني الاحترام والود المتبادل، فهل يمكنك وأنت تطلب الاستقرار والبعد عن ضجيج المناكفات، وإذا بك تواجه من يسير معاكسًا لذلك فلا يجد راحته إلا في وسط التأزمات العاصفة؟
أقرب تلك النماذج لما نتحدث عنه من عشاق الأزمات وتضخيمها، هو ما يحدث من مناكفات وحوارات ساخنة وضرب تحت حزام البطن بين الزوجة ووالدة زوجها في بعض البيوتات، فتلك الوالدة ترى في زوجة ابنها سارقة له من أحضانها، وما كانت تلقاه من بر واهتمام من ولدها سيتلاشى ويستبدله بمحبته لزوجته، وبعض الزوجات تريد فرض سيطرتها على زوجها فتقصر عنايته وأمواله بها، فتحاول بشتى السبل إثبات أنها الأفضل والأولى به من كل أحد، وفي خضم تصارع الإرادتين والبحث عن الوجود الأفضل والأمثل في حياته، تبدأ الرحلة الشاقة والسالبة لصفو حياتهم جميعًا بالبحث عن أي تقصير أو خطأ لتضخيمه، وبتحوير متعمد لمعنى كلمة لم يقصد منها الآخر أي إساءة، وإن تحاشى الحديث معه حاول اختلاق مشكلة من اللا شيء، ولو باستفزازه بكلمة أو موقف يثيره ويجره إلى أتون نقاش وتلاسن مستعر، وتدخلان في معارك لا تنتهي لرغبة كل طرف تسجيل انتصار وإثارة الغبار في وجه الآخر.
وأما الإنسان السوي نفسيًا والذي يتجنب كل ما يدخله في توترات أو خلافات، فلا يلقي بالًا ولا اهتمامًا بما يسمعه من كلمات جارحة يتغافل عنها ويطنشها، فالمشاجرات واختلاق المشاكل تصدع الرأس وتسلب راحة البال، وتدخله في دوامات ومتاهات لا قبل له بنتائجها الوخيمة، فالتجاهل للاستفزاز بكل وسيلة ممكنة هو عين العقل.
وفي جو آخر يزدهر فيه اختلاق المشاكل هي أجواء المنافسة في الدراسة أو العمل، فيجد هواة المشاكل وعشاق التوترات في أي كلمة يتفوه بها أحدهم مدخلًا لما يصبون إليه من توترات، إذ يفسرون الكلام بحسب أهوائهم ويطلقون الاتهامات لغيرهم بالتجني عليهم، وما يصدر من زميلهم من خطأ يمكن إصلاحه وتعديله بأبسط مجهود لا يتغاضون عنه، بل إنهم يبادرون لتضخيم الأمر وكأنه كارثة!
كما يمتهنون اختلاق المشاكل من خلال أسلوب بذر الخلافات والفتن والوشاية بين الزملاء، وهذه الآفة لا يمكن رؤية نهاية لها ما دامت أجواء الصراع والمشاحنات تجري كالدم في عروق البعض، ولن نجد مخلصًا منها إلا بتجاهل استفزازاتهم مهما بلغت، فهؤلاء الطفيليون يتغذون على المشاكل التي ينصبون شراكها، فما يعانون منه من سوء سريرة ومشاعر الكراهية لكل ناجح، وما يتصفون به من حب للنكد والفضول والغيرة يدفعهم نحو افتعال التوترات.



