الثلاثاء 13 أكتوبر 2026
مصادريكل المصادر
اختر الصحف التي تريد أخبارها
التنبيهات
أدب ورأي

من يعيد الطفلَ فينا؟

هلال الوحيد · القطيف اليومالأحد 16 ديسمبر 2018، 5:44 م
من يعيد الطفلَ فينا؟

إن كنت لا تزال في صفوفِ الدراسة، افرح بأنك في أيام الحرير واستمتع بها، لا شيءَ يدوم تحتَ الشمس. في حياتنا وأعمارنا أيامٌ وسنين ندوسُ بعضها مثلَ الأشواكِ الغضة وبعضها نمشي فوقها مثل الحرير، وبعضها بينَ هذا وذاك. من أيامِ الحرير تلك السنين التي نجلس فيها على مقاعدِ الصفوفِ الدراسية. في الصفوفِ الأولى نختار لنا صديقًا نصطف معه في طابورِ الصباحِ كل يوم، يومٌ نضحك معه ويومٌ نشتبكُ معه، ولكن سرعانَ ما تنتقلُ السحبُ وتتبدد، ومن يحمل الهمَّ والضغينةَ في زمنِ الصبا؟ سويعاتٌ من الدراسةِ والمرح وتعود لحضن أمك، للعب والبهجة مرةً أخرى. لا تفكر في المستقبل أو ما تحمله الليالي فعقلك لا يقبل سوى الفرح واللهو ولا شيءَ من الجد، الآن:

آه من يأخذُ عمري كلَّه
ويعيدْ الطفلَ والجهلَ القديمَا!

تأخذ الحياةُ شيئًا من الجد بعد السنةِ السادسة، تذهب إلى مدرسةٍ فيها من هو في الصف الثالث وأنت تنظر إليه كأنه رجلٌ عبقري، اجتازَ الصف الأول والثاني! لكن حلمكَ لا يزال شابًا فيه للمرحِ مساحة كبيرة. أصدقاء انقياء وأم وأب ينتظرونَ النتيجة، كل يومٍ ترتفع رؤوسهم نحوك يقولونَ: هذا هو مستقبلنا يكبر. سنواتٌ ثلاث ثم الثانوية وفيها يخط الشاربُ ويغلظ صوتك وتبدأ تنظر في تفرعات شوارع الحياة يمنةً ويسرةً تسأل نفسك ومن حولك إلى أين أنا سوف أسير؟ تأخذ الصداقاتُ الجد ويشعر أبوك وأمك أنك كبرتَ ويزهوانِ بك، أمك تتلصص وجوهَ البناتِ تنتقي منهم من هي فوقَ الرابعةَ عشر لعلها تقضي حياتها معها ومعاك.

سنواتٌ ثلاث فيها الجد والمعدل والتخطيط لكن يبقى الشابُ طفلًا حتى يموت، حينها يكون رجلًا. ثم العمل أو الجامعة أو تعليم آخر، حينئذٍ تبدو الحياة تريكَ وجهًا آخر، تأخذ منك أناسًا وأشياءً ظننتَ أنها تدوم ويشغل بالك سوقُ العملِ وأعباء الحياة المقبلة، لكن هناك الكثير من المتعةِ والصداقاتِ والأكل والشرب والرياضة والمنافسة. إن كان لي شيءٌ أهديه لكَ دونَ أن يأخذَ من بهجةِ سني الدراسة فهو التالي:

قد تكون في مثل عقل آينشتاين ولكن لابد لك من ورقةٍ تقول للناسِ أنك جلستَ على مقاعد الدراسة. ما سوف يأتي يأتي، لا تشغل نفسك بهمومِ الغد، لكن شيئًا من الجد في الدراسة وكثيرًا من المتعةِ سوف يعينك في المستقبل. دوِّن كل ما تستطيع من حياتك، ربما تكون ذا شأنٍ فالشباب هم من يصنعونَ التاريخَ وليس الحجر والشجر.

الآن، هل تبادلني وتعطيني الكرسي والكتاب وأعطيكَ السنين؟
كلُّ شيء صارَ مرًّا في فمي
بعدما أصبحتُ بالدنيا عليمَا
آه من يأخذُ عمري كلَّهُ
ويعيدْ الطفلَ والجهلَ القديمَا!

أنا كتبتُ لكَ ولكِ، عن حبي للمدرسةِ والصف لأن ملايين من البشرِ اليومَ لا يستطيعونَ الدراسة وهم يتمنونَ أن يكونوا حيثُ أنت، يحملونَ الحقيبةَ والكتابَ والقلمَ والكراس، يصطفونَ في صفوفِ الحالمينَ ويركضونَ نحو المستقبل، ألا ترى أن الدنيا أقلَّ قسوةً عليكَ منهم؟ أما إذا كنت أبًا أو أمًا فخذ بيدِ الصغير. كان استحضار دروس الصغار بهجة يومي ولم يخيبوا ظني فيهم.