الثلاثاء 13 أكتوبر 2026
مصادريكل المصادر
اختر الصحف التي تريد أخبارها
التنبيهات
أدب ورأي

عطر الكلام (١٦)

سوزان آل حمود · القطيف اليومالأربعاء 2 يناير 2019، 5:18 ص
عطر الكلام (١٦)

كان الطاعون واحدًا من الأمراض الفتاكة على مدى قرون عديدة، حيث إنّه تسبب في وفاة أكثر من 50 مليون إنسان في أوروبا، ولا يزال الطاعون في الوقت الحاضر يُصنف على أنّه مرض شديد الخطورة؛ وكما هو الحال مع العديد من الأمراض المعدية الأخرى، فإنّه لم يتوفر حتى الآن أيّ لقاح فعال لمنع الإصابة بالطاعون.

لكن السؤال: ما هو طاعون العصر الحاضر؟

من وجهة نظري أجد أن الانفلات السلوكي والأخلاقي هو طاعون العصر، فهل الشباب يستحق أن يقف خلف قضبان الاتهام بأنه السبب فيما نشاهده من انفلات، أم أنهم ضحية؟ وإذا كانوا السبب فهل نعاقبهم أم نقوِّم سلوكياتهم؟ وإذا كانوا ضحية فكيف ننقذهم؟ ومن هو المسؤول الحقيقي الذي يجب أن نشير إليه بأصابع الاتهام؟ هل الأسرة أم الأصدقاء أم الإعلام أم المدرسة والجامعة أم الظروف الاقتصادية؟

إن الخُلق السليم والخُلق الحسن يعتبر هو لب رسالة الإسلام، حتى إن كلَّ الفرائض الإسلامية قد ربَطها الله - سبحانه وتعالى - بشيء خلقي وأخلاقي، وجعل الرسول - صلى الله عليه وآله وصحبه وسلم - هو القدوة والمثلَ في هذا الأمر فقال عن النبي: ﴿وَإِنَّكَ لَعَلَى خُلُقٍ عَظِيمٍ ﴾ [القلم: 4]، مؤكدًا أن أي شيء يخلو من البُعد الأخلاقي، فهو دائمًا إلى زوال، ولا يحقق الهدف المرجوَّ منه.

فالإجابة؛ نعم الشباب جزء من هذا الطاعون ببعدهم الأخلاقي والسلوكي الممنهج، وهناك عدة طرق لعلاج حالة الانفلات الأخلاقي التي وصل إليها بعض شبابنا، ولكن من أهمها العلاج بالقدوة والمثل الأعلى من خلال عرض أمثلة لشباب كانوا نماذج طيبة للالتزام بأحكام دينهم، بالإضافة إلى كونهم نماذج عملت على رفاهية مجتمعهم وتقدمه وعزته‏.‏

ولعل الحالةَ الاقتصادية قد تكون سببًا قويًّا في الانفلات الأخلاقي كذلك؛ حيث إن تفاوتَ دخول الأفراد بشكل كبير ينعكس - بكل تأكيد - على الأخلاق في المجتمع سلبًا؛ لِما ينتج عليها من حقدٍ وكراهية تنشأ بين طبقات المجتمع بعضها البعض، كما أن الحالةَ الاقتصادية يكون لها تأثيرُها الواضح على الأُسرة في المجتمع؛ حيث نجد في الأسرة محدودة الدخل نوعًا من الخلَل نتيجة ضيق المكان الذي يسكنون فيه، أو طبيعة البيئة التي يعيشون فيها، لا سيما أن هذه الأُسرة يكونُ بها أبناء وبنات في سن مراهقة قد يحتاجون إلى نوع من الفصل بينهم، الأمر الذي قد لا يتوفَّر لدى الأُسرة ذات الدَّخل الضعيف.

حقيقة إن المشكلة كبيرة ولكن يمكن لنا أن نعدل قواعد اللعبة وأن نحرف المسار وأن نعيد شباننا وشاباتنا إلى طريق الصواب، فقط علينا أن نمتلك عدة أمور، وهي الرغبة الصادقة بالتعديل، والإرادة الكبيرة القادرة على التحمل، والفكر والوعي السليمين والمدركين لأبعاد المشكلة، وعند توفر الإدراك لخطورة الأمر يمكن أن نحقق الكثير فيه.

وببساطة يكفي أن ننظر بتمعن في أسباب الانحلال الأخلاقي والسلوكي للشباب والشابات حتى ندرك الحلول لهذه الظاهرة، كل سبب للفساد نعكسه فيتحول إلى حل وعلاج ورادع لفساد الجيل، واعلموا أن الجيل الفاسد لن يورث إلا جيلًا فاسدًا آخر، وكلما بدأنا العمل مبكرًا كلما كانت نتائجنا المرجوة أفضل.

وجميع العناصر السابقة لها دور فيما وصل إليه حال الجيل، في ظل غياب قانون الثواب والعقاب داخل الأسرة، المفروض أن يُثاب الأبناء على السلوكيات الحسنة ويعاقبوا على السلوكيات السيئة، أما الإهمال في هذا القانون الأُسَري سوف يدفع الأبناء لتقليد سلوكيات أخلاقية غير مثمرة وغير مرغوبة.

فالإسلام ليس تقييدًا للحريات، ولكنه تنظيم لها وتوجيه سليم حتى لا تصطدم حرية شخص بحرية آخرين عندما يعطى الحرية بلا حدود.

ولا ننسى دور الإعلام، لذا يجب على المحطات الفضائية والصحافة أن يتعاملا بجدية مع الفساد الأخلاقي والسلوكي، وعدم التستر على من يتسببوا في إفساد المجتمع.

على القنوات الفضائية أن تقدم برامج هادفة ومركزة على حسن الخلق والتربية الصالحة والقدوة الحسنة، وتاريخنا الإسلامي مليء بمثل هذه النماذج، بدلًا من التنافس العقيم على المسلسلات الرمضانية غير الهادفة سوى التسلية.

فمتى ينتهي هذا الطاعون؟!