مرامي النفوس الكبار

كم منا عرفَ أن العالمَ يحيي يوم 24 يناير اليومَ الدولي للتعليم؟ حيث أقرته الدولُ الأعضاء في الأممِ المتحدة اهتماماً بالعملِ لضمانِ التعليمِ الجيد المنصفِ والشامل على جميعِ الأصعدة ليتمكن جميعُ الناسِ من الحصولِ على فرصِ التعلمِ مدى الحياة واكتسابِ المعارف والمهاراتِ اللازمة للمشاركةِ الكاملة في المجتمعِ والمساهمة في التنميةِ المستدامة. بالطبع لن يعرفَ عن اليومِ مئاتُ الملايين من الأطفالِ والبالغينَ في العالمِ الذينَ ليس لهم مقاعد في المدارس ولكن لهم مقاعد في الطرقاتِ وأزقة العوزِ والحاجة، ملايين أبعدهم الفقرُ والنزاعات المسلحة عن القلمِ والكتابِ والعلمِ والتعلم!
إن كنتَ طالباً استيقظت اليومَ وكانت المدرسة هما ثقيلاً فإن من يكتب لك عن التعلمِ كأنما يقول لك إن الشمسَ تشرق من الشرق، لا شيء جديد سوى أنه عليك أن تعرفَ أنك ممن أعطاهم القدرُ حظاً أوفرَ للخروجِ من وديانِ الجهلِ والحاجة إلى قممِ المعرفةِ والغنى. ربما لن تجلب لك القراطيسُ والشهادات أكثر مما تستطيع أن تتعلمه أنت من الكتبِ ومن الناسِ ومن الحياة لكنها قراطيسٌ تقول للناسِ إنك تعرف أكثر ممن لم يدخلوا المدارسَ والجامعات.
وإن كنت أباً أو أمًّا، فلولدك الحرية فيما يأكلونَ ويشربونَ ويلبسون ولكن ليس لك ولهم الحرية أن يختاروا الظلامَ على النور ويفضلوا الجهلَ على العلم. لن يؤلمهم حمل الحقائب ولن تعمي أعينهم قراءة الدروس ولن تقتلهم عصا المدرس ولكن الجهل يقتلهم، ليس عليك سوى أن تقف دقائق على ناصيةِ الشارع لتعرف الجاهل من المتعلم. لن ينفعك أن يكون ابنك في فلسفةِ وعلم أرسطو وأينشتاين دونَ أن تكون له شهادة يعرف الناس بها أنه جلس على كرسي المدرسة. أنا لم تقتلني عصا المعلم "سلطان"، الذي كان كبيراً وضعيفَ السمع وكلما غاضه أحد الطلاب ضربه ضرباتٍ بعدد حروف بيت الشعر:
قُـمْ للمعلّمِ وَفِّـهِ التبـجـيـلا
كـادَ المعلّمُ أن يكونَ رسولا
ليس عجباً إن قلنا إن الشمسَ تشرق من الغرب، فكل ما يأتينا من الغربِ وكل ما يأتيهم جاء من التعليم. علينا أن ننظر في منازلنا وفي شوارعنا وفيما نشتري ونبيع، هل نزرع ما نأكل؟ أو نصنع ما نركب؟ أو نمزج الدواء الذي نستشفي به؟ عندما يكون كذلك حينها تشرق الشمس من شرقنا.
في ضجيجِ الحياة أطفالٌ يصم آذانهمْ البارودُ ويمنعهم الجوعُ والحاجة، أو قلة المدارس، أن يبتهجوا بأنهم تعلموا وهم يتمنون أن يكونوا مكانَ ذاك الذي يملأ بطنه الأكل، ويثقل كاهله الكساء ويصم أذنه تفاهاتُ الحياة، ولكن تلك هي قسمة البشر. يأتي يومٌ يعم فيه الرخاءُ ويذهب فيه كُلُّ الصغارِ إلى مدارسهم وحتى يأتي ذلك اليوم أيها الصغير: اذهب لمدرستك وتعلم وأيها الكبير ليس للصغير أن يختار. من لا يحب المدرسةَ منكم فعليه أن يعيدني صغيراً وأنا آخذ مكانه! إن مرامي النفوس الكبار في المدارس والجامعات وليس في الشوارع والطرقات.



