الإمام الكاظم وصناعة الإنسان الكامل

ورد في وصيته لهشام بن الحكم: "إِنَّ اللَّهَ تَبَارَكَ وَتَعَالَى بَشَّرَ أَهْلَ الْعَقْلِ وَالْفَهْمِ فِي كِتَابهُ" (تحف العقول ص 394).
إطلالة على وجه حضاري مشرق في حياة الأئمة الأطهار (ع)، نجد ذاك التجسيد لمفهوم الدين والتمسك بقيمه وتطبيقها على أرض الواقع على جميع الأصعدة الحياتية، فطريق القرب من الله تعالى هو محالفة محراب الطاعة والورع عن محارم الله تعالى، مع انطلاقة حياتية تنفتح على حاجات الناس المعنوية والمادية، فتلك البيانات والدروس والتوجيهات ما هي إلا بناء وصناعة للإنسان الكامل، بناء شخصيات وازنة في عقلها الرشيد وتستطيع من خلال إدراكها الفكري مواجهة المشاكل والتحديات، وبناء سلوكي يستضيء بضمير يقظ يراقب الله تعالى في كل تصرفاته، هذه خلاصة المنهج الحكمي والتهذيبي للأئمة الأطهار (ع) والذين لم يتوانوا في تبليغه والدعوة إليه غير آبهين بما يواجهونه من تحديات وظروف صعبة لم تضعف إراداتهم وعزائمهم.
عندما نلقي نظرة متمعّنة على كلمات الإمام الكاظم (ع) وتوجيهاته - وخصوصا توجيهه لتلميذه النجيب هشام بن الحكم - لا نبصر إلا تلك الإرشادات الداعية إلى تجذير الكرامة الإنسانية المعنونة بالعقل التنويري، حيث إن عرض كل ما يرد على المرء من أفكار وأحداث وتصورات عليه ألا يتقبلها بسهولة وسذاجة، بل عليه عرضها على مجهر النقد الذاتي الذي يعمل فيه المرء بصيرته النافذة بلا تعجل أو ميل للأهواء.
وهذا ما يدعونا إلى التساؤل عن تلك المدركات التي تؤهل الإنسان للنقد والبحث، فما هي تلك القدرات؟
الانفتاح على القراءة وأبواب الثقافة المختلفة هو الزاد المعرفي الذي ينير فكره، ويستطيع أن يستمع ويحاور ويرد الشبهات، وأما الخمول الثقافي والابتعاد عن الأجواء المعرفية والاطلاع فيكسو عقل الإنسان بالضعف والبساطة في التفكير، ويكفينا في التحفيز والتشجيع على القراءة والمناخات الثقافية على المنابر وفي الجلسات والندوات في المساجد وغيرها، تلك القراءة للدور الرسالي للإمام الكاظم ودوره في التدريس وإشاعة المعارف والدعوة إليها، فقد كان يعلو منبر جده المصطفى (ص) ويبث من العلوم الإلهية وبيان الأحكام والتوجيهات القرآنية ما ينمي العقول؛ سعيًا للوصول بالناس إلى البصيرة النافذة والصبغة الأخلاقية الحاكية عن نفس طيبة متسامحة.
هذا المنهج التفكيري القائم على حصيلة معلوماتية متنوعة ترتقي بالنفس لمستوى التفكير السليم بعيدًا عن التهور والقرارات الانفعالية والعاطفية، نراها في الجانب الآخر وهو الأخلاقي التهذيبي للنفس والمنزّه لها من التردي إلى وحل الرذائل والقبائح، فالمنظومة القيمية قوة في التحكم بالانفعالات وضبط النفس وفق مبدأ الهدوء والحكمة والدراسة المتأنية، فاتخاذ القرار السليم الصائب يعكس شخصية الفرد ويضعها في إطار التوصيف بالقوة والذكاء والشجاعة، أو التوصيف بالضعف والتردد والقرار وليد اللحظة.
القوة الأخلاقية تبث الثقة بالنفس ومراعاة ضوابط التعامل الحسن، فكلما صدر منه موقف جميل كصنع المعروف والكلمة الطيبة والتسامح مع المسيء كان ذلك عنوانًا لتأهله لمواجهة الصعاب والتحديات والتي لا تليق إلا بمن تجذرت المكارم والفضائل في نفسه، دون تفكير بالنزوع إلى التهور والعدوان والأحقاد.
ومنطق الحكمة التي يدعو له منهج صناعة الإنسان وفق صياغة الإمام الكاظم (ع) هو معيار لشخصية المرء التي توصفه بالثراء الفكري والتألق الأخلاقي، ومحاوراتنا ومجالس الحديث كواشف لما يحمله الإنسان من منهج قيمي يطبّقه، أو أنه يسير وفق شهواته وأهوائه ويميل مع الريح والأمواج أنى حلت واتجهت، فالحياة الطيبة والازدهار الذي يصنعه الفرد يقوم على احترام نفسه وتحمّل المسؤولية لكل ما يصدر منه من كلمة أو قرار أو تصرف، وتلك الحياة تسودها مشاعر الحب وحب الخير وإشاعة العدل، أوليست هذه المفاهيم والقيم مفردات في منهج صناعة الإنسان الكامل الذي يدعو له الإمام الكاظم (ع)؟!



