الثلاثاء 13 أكتوبر 2026
مصادريكل المصادر
اختر الصحف التي تريد أخبارها
التنبيهات
أدب ورأي

قف.. قف.. قبل رمضان

منصور الصلبوخ · القطيف اليومالأربعاء 24 أبريل 2019، 2:28 م
قف.. قف.. قبل رمضان

اقترب شهر رمضان المبارك، واقتربنا من الموائد العامرة المليئة بالأطباق المتنوعة، فيها ما لذّ وطاب، نكهات ومذاقات يسيل على أثرها اللعاب.

مظاهر الحياة العصرية التي حفلت بالثراء والرفاهية والكثير من البذخ، جعلت الموائد تمتلئ بكل نعم الغذاء، اقترنت بالطعام وأصنافه، وطرائق طهيه وإعداده، وآداب أكله.

الغذاء والصحة عنصران مكملان لبعضهما البعض، فالغذاء الصحي مرتبط بسلامة الجسم لأنه يقوي مناعته ضد الأمراض.

التوعية والتربية الغذائية مسؤولية، مسؤولية نطالب بها.

نحن نقول: شهر رمضان فرصة طيبة لتصحيح سلوكنا الغذائي وأنماطنا الحياتية وتغيير بعض المفاهيم
والعادات الخاطئة، وتحسين حياة من يعانون من مشاكل صحية.

ابتلينا بأمراض سببت لنا معاناة دائمة، فصارت نظرتنا إلى الحياة سوداوية، كل الأشياء من حولنا قاتمة وكئيبة.

فداء السكري وضغط الدم وأمراض القلب والكلى والكبد والمعدة في ازدياد، السمنة التي تعاني منها الأغلبية من أفراد المجتمع السعودي ناتجة من مشكلات الإفراط في تناول الأطعمة مع غياب الوعي الغذائي وسوء اختيار نوعيات الطعام المناسبة وطرق إعداده وطهيه، ونمط الأكل، وعدم ممارسة الأنشطة البدنية، وهي من مسببات داء السكري، كما أن الإفراط في الطعام يؤدي إلى إرهاق المعدة وإتعابها ويربك الكبد فتنقلب إلى سموم.

وحينما يحل رمضان تحاصرنا حالات الجوع والنوم والإعياء والكسل، وقلة الإنتاجية، وأقصى درجات الضعف والهوان، بفعل العادات غير الصحية التي تمارس فيه، تلك هي حالات الإجهاد المرضي.

فرياح الأطباق الرمضانية والتي يجلب معظمها من المطاعم ومراكز المأكولات الشعبية، والمخبوزات، والحلويات الشامية، وأمكنة الوجبات السريعة، تتفنن تلك المحلات في إعداده وتحضيره بما فيها من تجاوزات تدق نواقيس خطر على الصحة العامة.

ففي أمس قريب، كانت أمهاتنا منشغلات بإعداد المائدة الرمضانية بأصنافها المختلفة، تعدّها من أعماقها وخبرتها وبعناية كافية، عبق وروائح الأطعمة الطيبة يشمها القاصي والداني في كل ركن وكل زاوية من الحي ، كأجمل دخان، وأروع رائحة، على مستوى عالٍ من الجودة واللذة، رغم مرارة وقسوة وضغوط المعيشة، وبعد التجهيز تبادر الأسر في الحي بتجميع الأطباق وتوزيعها بين الأهل والاقارب والجيران، يتبادلون الأطعمة فيما بينهم.

اليوم أصبحت مطابخنا تشتكي من قلة استخدامها لاعتماد معظم الأسر على الأطعمة المجهزة خارج المنزل، ولعل ذلك عائد للحياة العصرية وظروف عمل المرأة، وهذا ما جعل مطابخنا تتميز بالجمال والأناقة والروعة في التصميم وسلامة ونظافة المنضدة الرخامية، فصار المطبخ جزءًا مكملًا لباقي الأثاث وديكور المنزل.

اعتماد العديد من الأسر على الوجبات المعدة خارج المنزل، وفي أغلبها أطعمة غير متزنة تفتقر للقيمة الغذائية، نتيجة التجاوزات الصحية كالقلي السريع والجائر بزيوت رخيصة، ودهون محولة، سريعة الأكسدة والتحلل، والسكريات الحرة والمحليات المصنعة كشراب الذرة العالي الجلوكوز "الشيرة" التي تضاف بكميات كبيرة إلى الأطباق الحلوة، والمشروبات الاصطناعية كشراب التوت والبرتقال.

وهذا يعني أن الأشخاص الذين يعانون من أمراض مزمنة كداء السكري وضغط الدم يرتفع مستواه أكثر نتيجة إفراطهم في تناول تلك النوعية من الوجبات.

فالعناصر الأساسية التي يجب أن تؤخذ في الاعتبار عند تحديد الوجبة الصحية هي: التناسب والاعتدال والتنوع، ويعتبر هذا الشكل الهرمي إنجازًا عظيمًا من التغذية الصحية، كما يعتبر دليلًا إرشاديًا تغذويًا، ساعدَ جميع الأشخاص على فهم أهمية تناول كميات متناسبة من مجموعات الغذاء المختلفة مع ضرورة الاعتدال في التغذية التي جعلت الإنسان يشعر بالخفة والنشاط.

ولكي تتوفر جميع العناصر الأساسية اللازمة لصحة الإنسان، يوصى بأن نختار الأطعمة الطبيعية الطازجة كالخضار والفاكهة واللحوم والأسماك والألبان والبقوليات والحبوب والتمور والمكسرات.

نفهم مما سبق أن الاعتدال في الأكل، والأطعمة الصحية تساعدنا على أن نحظى بصحة جسمية جيدة، فالإسراف في الأكل يُعرقل وظائف أنظمة الجسم.

كثير من الصائمين في الشهر الكريم تزداد أوزانهم، حيث يلتهم الصائم ضعف الكمية التي يتناولها خلال شهور السنة الأخرى وفي وقت وجيز، لتعويض ما فاته خلال النهار، لذلك ليس غريبًا أن تنتشر بيننا كثير من الأمراض.

يجب أن نفرق بين الجوع والإشباع، وبين التذوق والاستمتاع، صحيح أنه لا يزال على عادة كثير من الناس، أنهم يأكلون تلبية لحاجة البطن، يتناولون الطعام بشراهة.

التحول من الإشباع إلى التذوق والاستمتاع علامة من علامات التعقل، ورقي الحس، فهناك أناس يستمتعون بما يأكلون ويحسنون التذوق والطعم المميز للأطعمة مع الاهتمام بالقيمة الغذائية وشيء من راحة المعدة.

كثير من الأمراض ناجمة عن الاستهلاك المفرط في الأكل وارتباطها "بالإفراط أو التفريط"، فالإفراط في تناول الوجبات يأتي على حساب نصيب الماء والتنفس ولكل ثلث، والتفريط يجعل الجسم هزيلًا لا يقوى على الحركة.

لا يخفى على كل ذي بصيرة أن الإفراط في الأكل يثير القلق والمخاوف، حيث إن التهام كميات كبيرة من الطعام يسبب اضطرابات الهضم، وتلبكات المعدة، وانتفاخ البطن، وآلام الأمعاء، وانقطاع التنفس، مما يؤدي إلى السمنة والكثير من الأمراض والمشكلات الصحية، حتى أصبحنا دون أن ندري أكثر الأجيال إصابة بأمراض العصر.

كان بإمكان عدد كبير من المرضى أن يوفروا الجهد والمال والمعاناة في مراجعتهم العيادات والمستشفيات بالإقلال من الطعام، فليست العبرة في كميته، بل في نوعيته ومحتواه من العناصر الضرورية اللازمة لبناء وحماية الجسم من الأمراض.

أصبح الناس ينفقون كل ما لديهم من أجل إصلاح الخلل في أجسادهم المترتب على الإسراف في تناول الطعام.

رمضان مناسبة للتذكير بأن الجسد والعقل يعملان بكفاءة تامة خلال ساعات الصيام، وأن بالإمكان تحمل الجوع والعطش لفترات طويلة والبقاء في حالة ذهنية أكثر صفاءً وحالة جسدية أكثر انتعاشًا وخفة.

الفوائد الصحية التي يجنيها الصائم لها أثر إيجابي على الجهاز المناعي في الجسم، وتحسن المؤثر الوظيفي للخلايا اللمفاوية، وعلاج الكثير من الأمراض كالكلى وضغط الدم والسكري والتهاب المفاصل وقرحة المعدة.

الصيام فرصة لتغيير سلوكياتنا الغذائية الضارة بقوة الإرادة، والرسول عليه الصلاة والسلام يقول: "صوموا تصحوا"، ففي الصوم راحة للمعدة وطرح السموم المتراكمة طوال السنة، والتخلص من السمنة.

من هنا نأتي لظاهرتين من الظواهر التي تستشري لدى الناس في رمضان وغير رمضان هما: الشراهة الاستهلاكية، والإنفاق البذخي، أمر لا يمكن أن يتسق مع قيمنا الإسلامية، والأطعمة في النهاية تستقر في حاويات القمامة وبراميل الزبالة، وهذا خلاف تكليفنا الشرعي، تلك الظواهر ليست مألوفة في العهود القديمة.

يجب أن نفكر قبل أن نتسوق، ونختار الأطعمة بمقدار الحاجة، من أجل حفظ النعمة ومن ثم زيادة بركتها، حمدًا لله على النعم الكثيرة.

تجهيز المائدة الرمضانية بدون زيادة ولا نقصان هو مطلب صحي، والأهم من ذلك أمر يثاب عليه المؤمن،
{وَكُلُوا وَاشْرَبُوا وَلَا تُسْرِفُوا ۚ إِنَّهُ لَا يُحِبُّ الْمُسْرِفِينَ}.

إن مائدة الطعام الرمضانية تقف بحزن، ولم يكن لها خيار غير قائمة الأطعمة المجهزة خارج المنزل التي راج سوقها.

الصيام مفيد للإنسان، فبجانب كسب رضا الله عز وجل، هناك الكسب الصحي، وهي فرصة للشفاء أو تقليل مخاطر الإصابة بكثير من الأمراض، والدراسات الأخيرة أشارت إلى إمكانية العلاج التام لمن يعاني السكري النوع الثاني وليس العارض المرضي فقط، مع النشاط البدني.

إن ضعف الجسم ووهنه لا يتأتيان - فقط - من قلة التغذية، بل قد يتسبب الإفراط بالتغذية في النتيجة نفسها، وكثير من الظواهر المرضية يكون مردها الإفراط في التغذية، فالغاية المنشودة من الغذاء هي على وجه التحديد حفظ قدرة الجسم وحيويته، وتحقيق نموه، ووقايته من الأمراض، وهذه الغاية لا تتحقق إلا بتحقيق مبدأ الاعتدال، والاستمتاع بلذة الطعام من غير محذور أو ضرر "المعدة بيت الداء والحمية رأس الدواء".

رمضان أتى ليرتفع المسلم إلى آفاق التقوى والتطهر والتخلص من الأمراض.

منصور الصلبوخ - أخصائي تغذية وملوثات