الإثنين 12 أكتوبر 2026
مصادريكل المصادر
اختر الصحف التي تريد أخبارها
التنبيهات
أدب ورأي

جوع وأي جوع.. (3-5)

عبدالعظيم شلي · القطيف اليومالأحد 12 مايو 2019، 1:17 م
جوع وأي جوع.. (3-5)

قيض لمعرض الفنان حسين القطري مفتتح واعٍ برسالة الفن ودور الثقافة، إنه أستاذ ممتلئ حيوية وقف عند الباب متأهبًا لقص الشريط ولسانه يلهج: (بسم الله وعلى بركة الله) إيذانًا بافتتاح أول معرض شخصي في القطيف، إذ لم يسبق لأحد من فناني القطيف أن أقام معرضًا شخصيًا من قبل، وهنا تكمن ريادة المعرض في المنطقة بأسبقيته، تجول المفتتح وعين الفخر والرضا مرتسمة على محياه وكلمات الإعجاب والإطراء ينثرها بين الحضور والأعمال المتنوعة النابضة بالألوان والمعاني الإنسانية، تعبيرات وجهه مسترسلة بين لوحة وأخرى، يتأمل يتذوق يسأل يتحاور، قضى وقتًا ممتعًا ثم دوّن إعجابه في دفتر الزيارة الذي فاض بالثناء والتقدير من قبل لفيف من الفنانين والمثقفين ممن شهدوا المعرض وأكدوا على ريادته.

نختار ثلاثًا منها:
(يسعدني أن أنتهز الفرصة لأزور معرض الفنان حسين القطري بمدينة القطيف وقد حاز على إعجابي، حيث عبر الفنان عن مشاعره وأحاسيسه متأثرًا ببيئته التي يعيش فيها وإني لا أبالغ إذ أقول: في المستقبل القريب سيكون هذا الشاب أملًا للبلاد ورائد الفن في مدينته...)، الفنان التشكيلي عبدالله علي حسين 1396/9/16هـ.

ونتأمل كلمة أحد المثقفين البارزين: (هذه اللوحات تعكس إلى حد بعيد مدى عمق الفنان حسين وتطلعاته الإنسانية وبما وجد بأسلوب وتكتيك متقدم آمل أن يكون مثل هذه المعارض مقدمة لإنضاج العمل الفني في بلادنا بشكل عميق، المعادلة الجدلية بين الشكل والمضمون) نجيب الخنيزي 1976/9/12م.

وشهادة أخرى من إعلامي وأديب مرموق على مستوى المملكة (عزيزي الفنان حسين القطري: قبل أن أجيء إلى معرضك كنت أقرأ كلامًا لفنان عالمي يقول: إن الفنان الحقيقي هو الذي يملك القدرة النفّاذة إلى دقائق الأشياء ونقائضها، وهو كالعالم تمامًا يسقط على قوانين الطبيعة بتعمق ووضوح، وإن كان للفنان فضل فإنه يرجع إلى تلك اللذة التي يثيرها من مكامن المشاهد أو المتلقي أو القارئ، بحيث تحقق تلك النماذج بين فعل الفنان واستجابة الجمهور، لا أريد أن أبالغ كثيرًا فلقد أثارني كل ما في معرضك وكان مفاجئًا لي.....) محمد رضا نصر الله 1976/9/12م، وترك هذا المعرض آثارًا واسعة وتأثر به الكثير من الفنانين، الذين أصبح لديهم حضور فني على الساحة التشكيلية في وقتنا المعاصر.

كاتب السطور تناول المعرض بالتفصيل ونشر الموضع من قبل ضمن إصدار خاص بجماعة الفن التشكيلي بالقطيف 2007م.

الذاكرة تحيي مفتتح المعرض بأجمل التحايا وتنثر على محياه باقات ورد، لما يحمله من حب للآخرين بصدق الأفعال، شخصية عاشقة للفن والخدمة التطوعية، فمنذ أن كان يافعًا استهواه العمل الاجتماعي، وأدرك قيمته من خلال أجواء مجلسهم العامر بذكر الله، شنفت آذانه تلاوة الآيات العطرة {وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ…} و{وَقُلِ اعْمَلُوا…} هاتان الآيتان دفعتاه بإيمان راسخ وقناعة تامة للحراك الاجتماعي، عشق الكتب الأدبية وانخرط باكرًا في عالم الأندية، أختير مشرفًا ثقافيًا لـ(نادي البدر) وهو لم يزل طالبًا في معهد المعلمين، ذوقه الرفيع مكّنه من توفير مكتبة لأعضاء النادي، وأتبعه بتدشين (أستديو لهواة الفن)، فضاء فني مبكر سبق الأندية الأخرى في المنطقة، ملاذ استقطب الفنانين ردحًا من الزمن لممارسة هوايتهم في أجواء فنية عبقة، وبروح الأخوة والمحبة أنجزوا لوحات بيئية ومناظر طبيعية علقت في صالة النادي الكائن بمنطقة (الجراري) بإعلان افتتاح أول معرض جماعي يقام ليس في القطيف وحسب بل في عموم المنطقة الشرقية، كان ذلك عام 1389 هجرية الموافق سنة (1969)م.

ومن الأسماء المشاركة في هذا المعرض يبرز اسم الفنان حسين القطري، ومكي الناس، وعباس تقي، وعبدالله راشد الغانم، والمرحوم عبدالهادي قاسم، بالإضافة إلى مشاركة فنانة واحدة (إبتسام الجراش) وهي تعتبر أول فنانة قطيفية تشارك في معرض فني، وبينها وبين ظهور الفنانات من الجيل الأول 17 عامًا، وكان المنسق والمنظم لهذا المعرض هو ذاته رئيس اللجنة الثقافية بالنادي، وبعد مرور عامين على ذلك المعرض تخرج راعي الفن من المعهد سنة 71م، وعيّن بمدينة رحيمة مدرسًا في إحدى مدارسها، وفي ذات السنة أصبح رئيسًا لنادي البدر الرياضي، وقد أجرت معه صحيفة اليوم لقاء مطولًا نشر بتاريخ 22 صفر 1393هجرية - كاتب السطور لديه صورة من تلك المقابلة.

وأشارت الصحيفة في عناوينها الفرعية لـ(أصغر رئيس نادي في المملكة يتحدث..) واستكمالًا لذلك السؤال: (ما هو أسلوبك في التعامل مع أبناء النادي)، أجاب: (أسلوبي لم يتغير منذ كنت لاعبًا حتى أصبحت إداريًا ورئيسًا للنادي، وهو معاملة الجميع كأخ يتحمل في بعض الأحيان ما لا طاقة له به، وكما تعلم أن النادي مؤسسة رياضية تختلف فيها الآراء والأفكار والمستوى الاجتماعي، ولكن نحن في الواقع أسرة متحابة متعاونة نعمل جميعًا لهدف واحد وهو خدمة الشباب مهما كانت الظروف)، توزّعت اهتمامات أستاذنا خارج نطاق النادي، فاختير عضوًا في لجنة التنمية الأهلية، ثم موظفًا متعاونًا في مركز الخدمة الاجتماعية بالقطيف. ضجيج، طلاب المدرسة وانفعالات شباب النادي تعامل معهما بروية فائقة ورؤية تربوية ناجعة، وتغلّب على الكثير من المشاكل، واجتاز عدة مواقف صعبة سواء في عمله الوظيفي أو التطوعي، وبتوفيق من الله أدارها بحكمة ورزانة وزادته تلك المواقف حنكة وصلابة.

إن حس المسؤولية والنظرة العقلانية وظفهما في كل تعاملاته مع مختلف شرائح المجتمع، كسب احترام الجميع وأكسبته الأيام خبرة على خبرة وعلمته السنين حكمة بالغة (قيمة الإنسان فيما يعمل).

شخصيًا كلما أحسست بجوعي لمعرفة أحوال ووقائع وحكايات قطيف الأمس ألتجئ لسماع ذاكرته الحية.