الثلاثاء 13 أكتوبر 2026
مصادريكل المصادر
اختر الصحف التي تريد أخبارها
التنبيهات
أدب ورأي

خمرُ الحب و جمر الغضب

هلال الوحيد · القطيف اليومالجمعة 17 مايو 2019، 11:36 ص
خمرُ الحب و جمر الغضب

زرعتُ شجرةَ تينٍ في أوائلِ فصلِ الربيع. كبرت الشجرة وصار لها ورقٌ كثير وأغصانٌ متشابكة وحملت الثمر. فرحت بثمرها وعندما قرب من النضجِ صرت أرقبها كل صبحٍ ومساء منتظرًا تمامَ نضجها. ولما حانَ قطافها قلتُ يومًا آخر تنضج أكثر وأقطفها في الصباح. جئتُ في الصباحِ الباكر ولكن عصفورًا صغيرًا سبقني لها، استطاب رائحتها ومذاقها وملأ بطنه بها. طوبى لك أيها العصفور! رسائل ودٍّ بيني وبينك، أنا أتحمل كلفة الأكلِ والشرب وأنتَ تحمل تعب الإنشادِ والموسيقى.

ولأنني إنسانٌ عنيد سوف أجهدْ ألا يغلبني عصفورٌ صغيرٌ مرةً أخرى، لكن مشاهدَ تفاهة عقلِ الإنسان وضعف تدبيره في قبالِ مخلوقاتٍ لا يكاد يراها تبعث على الدهشة! لم يحتج العصفور أن يراقب ثمرةَ التين ويحط عليها كل يومٍ ينظر إليها ويتفحص نضجها، وكأنه يسخر من حجمي وعقلي. حطَّ عليها في لحظةِ القطاف تمامًا، لا قبل ولا بعد! لكن ماذا لو كان العصفور الصغير رسولًا من الله يعطي درسًا في التواضع؟

جمع أعوانُ النمرود بن كنعان الحطبَ من كل مكانٍ لحرقِ النبي إبراهيم (ع). اشتعلت النارُ وملأ لهبها الآفاقَ وأُحضر إبراهيمُ مقيدًا. كان إبراهيم هادئًا مطمئنًا، الأمر الذي استفز النمرود حين أصدر إشارةَ بدءِ التنفيذ وقذف المنجنيقُ إبراهيمَ نحو النار المستعرة. سبحت روحُ إبراهيم في فضاءاتِ العرفان لربه قبل أن يُقذف في النارِ في حين لم يشك الحشدُ أنه سوف يتحول إلى رماد، ولشد دهشتهم صارت نارُ نمرود العظيمة بردًا وسلامًا أحس به إبراهيمُ نسيمًا عليلًا يطوف بجسده وخرج منها سالمًا معافى، ولم تنته بعدها معاناةُ إبراهيم مع النمرود الذي طرده بعيدًا عن وطنه.

ادعى النمرودُ الربوبية وحاجَّ إبراهيم ولكنه لم يستطع التغلب على بعوضةٍ دخلت أنفه أو أذنه تزن وتطن فلا يستطيع النمرود أن يرتاحَ من صوتها المزعج إلا أن يُطرق رأسهُ بالمطرقةِ والأحذية. بقي النمرود يتعذب بالبعوضة وطنينها إلى أن ماتَ ولم يستطع أن يغلب البعوضة.

مشاهد هزيمةِ الإنسان لا تنتهي إلا حين يرى أنه يملك كل شيء: مدح شاعرٌ أحدَ حكام مصر القدماء بأبياتٍ من قصيدةِ ابن هانئ الأندلسي التي مطلعها:
ما شئتَ لا ما شاءت الأقدارُ
فاحكم فأنتَ الواحدُ القهارُ

فامتلأ صدرُ الممدوح فخرًا بنفسه ولكن ذبابًا حطَّ على وجهه. هش الذبابَ عن وجهه وطار وحطَّ مرةً أخرى. غضب من الذباب ومالَ ليطرده بعيدًا، لكنه سقط من على الكرسي وإذا بالقرب منه قارئُ قرآن: {وَإِن يَسْلُبْهُمُ الذُّبَابُ شَيْئًا لَّا يَسْتَنقِذُوهُ مِنْهُ ۚ ضَعُفَ الطَّالِبُ وَالْمَطْلُوبُ} (سورة الحج ٧٣).

عزم أبرهةُ الحبشي أن يهدمَ الكعبة ووجه جيشًا إلى مكةَ وهو يمتطي فيلًا. وصل الجيشُ مكة وعجز أهلها عن الدفاع عن أنفسهم، ولما اقترب الجيش من الكعبة وقف الفيلُ وغطت السماءَ طيورٌ صغار تحمل في مناقيرها حجارةً صغيرة تسقط فوقَ الغازي ويموت. انهزم الجيش وماتَ أبرهة.

حروبٌ في مظاهرها عدائية ولكنها رسائل تستبطن القدرةَ التي أودعها اللهُ في غير الإنسان تسأله أن ينظر في مرايا الكونِ ويعرف مدى قدرته وإلا هي من تقوم بتلكَ المهام.