الثلاثاء 13 أكتوبر 2026
مصادريكل المصادر
اختر الصحف التي تريد أخبارها
التنبيهات
أدب ورأي

قبسٌ من وصايا علي (ع)

الشيخ جاسم آل حمود · القطيف اليومالخميس 23 مايو 2019، 6:10 م
قبسٌ من وصايا علي (ع)

ما أبدع هذه الوصايا التي لا يمل السامع من تكرارها، إنها كلماتٌ عظيمةٌ جليلةٌ، وكل وصيةٍ منها تستوجب الوقوف عندها للتأمل والتدبر، فلقد حث فيها علي (ع) أولاده على الجهاد، فقال: "الله الله في الجهاد في سبيل الله بأموالكم وأنفسكم وألسنتكم فإنما يجاهد في سبيل الله رجلان: إمام هدى، ومطيع له مقتد بهداه".

والجهاد هو مصطلح إسلامي مأخوذ من بذل الجهد، وهو على ثلاثة أنواع: جهاد النفس، وجهاد الشيطان، وجهاد العدو.

وسمّي "الجهاد في سبيل الله" لأنّهُ يكون الهدف منهُ تحقيق أهداف الله، وأعظم الجهاد هو العمل على تحرير النفس البشرية والسمو بها إلى أعلى المراتب، فعن أمير المؤمنين (ع) قال: "إن رسول الله ( ص) بعث سرية ـ فرقة عسكرية ـ فلما رجعوا قال: «مرحبًا بقوم قضوا الجهاد الأصغر وبقي عليهم الجهاد الأكبر»، قيل: "يا رسول الله وما الجهاد الأكبر؟"، قال : «جهاد النفس» ثم قال: «أفضل الجهاد من جاهد نفسه التي بين جبينه».

وتوجد شبهة عند الكثير من الناس، حيث يفسرون الجهاد الأكبر بــ "العمل والتكسب لطلب الرزق"، ولكن الأمر ليس كما يرون، فالجهاد الأكبر هو عبارة عن انتصار النفس على قواها الظاهرية التي في بدنه، من عين وأُذُنٍ ويدٍ ولسان.

فتأتمر بأمر الخالق سبحانه وتعالى، فَيُعزُّ صاحبُها بالطاعة ولا يُذلُّ بالمعصية، فَمَنْ كانت حركاته وسكناته خاضعة لشرع الله جلَّ جلاله، فلا يُحرِّك عينًا ولا لسانًا ولا يدًا إلاَّ بطاعة الله تبارك وتعالى، وبذلك يكون من أهل الجهاد الأكبر الذي يعلو على القتل في سبيل الحق، فهذا يُقاتل في العمر مرَّة، وذاك يُقاتل في اليوم مرَّات ومرَّات، فهي معركة دائمة مساحتها طوال عمر الإنسان منذ أن يدركه الوعي وإلى أن تفارقه الحياة، وربما يكسب الإنسان المعركة ضد نفسه طيلة حياته، ثم يخسرها في اللحظات الأخيرة من عمره!! وعلى أساس نجاح الإنسان وتفوقه في هذه المعركة يكون موقعه عند الله، ومستقبله الدنيوي والآخروي، من هنا كانت المعركة مع النفس أشق وأخطر معركة يخوضها الإنسان في حياته.

فهي حتمية لا خيار لأحد فيها ولا يستثنى أحدًا منها حتى الأنبياء والأوصياء والأولياء، وإذا كان الإنسان يستطيع اجتناب المعارك، والصراعات مع الآخرين بطريقة أو بأخرى فإنه لا فرار له من معركته مع نفسه.

والأدهى من كل ذلك قوة الارتباط وشدة العلاقة، فالنفس أقرب شيء للإنسان، وهي متداخلة معه وملتصقة به، وكم هو صعب على الانسان أن يعايش عدوه ويتداخل معه، ويكون قريبًا منه ووثيق الصلة به؟؟

فهي أخطر معركة، ويصدق تمامًا ما قاله رسول الله (صلى الله عليه وآله) من أن جهاد النفس هو الجهاد الأكبر، فالمنتصر على نفسه في معركته الحتمية الدائمة الشاملة معها يستحق الجائزة الكبرى وهي الجنة، والوصول إلى الجنة يستحق من الإنسان كل ذلك التعب والمشقة والعناء.

يقول تعالى: {وأما من خاف مقام ربه ونهى النفس عن الهوى فإن الجنة هي المأوى}.

ومن صور مجاهدة النفس في هذا الشهر العظيم؛ الاستفادة من هذا الشهر المبارك لنيل الكمالات والبركات، لا أن نشغل أوقاتنا بالمسلسلات والأفلام اللهوية والقضايا الدنيوية التي تلهي عن ذكر الله تعالى.

ونختم حديثنا بكلماتِ علي (ع) حيث يقول: "عَلَيكُم في شَهرِ رَمَضانَ بِكَثرَةِ الاستِغفارِ وَالدُّعاءِ؛ فَأَمَّا الدُّعاءُ فَيُدفَعُ بِهِ عَنكُمُ البَلاءُ، وأمَّا الاستِغفارُ فَيَمحى ذُنوبَكُم".

————————

اللهم تب علينا حتى لا نعصيك، وألهمنا الخير والعمل به وخشيتك بالليل والنهار ما أبقيتنا يا رب العالمين.