الثلاثاء 13 أكتوبر 2026
مصادريكل المصادر
اختر الصحف التي تريد أخبارها
التنبيهات
أدب ورأي

قرار شِقشقة علي ⁦

هلال الوحيد · القطيف اليومالإثنين 27 مايو 2019، 12:40 م
قرار شِقشقة علي ⁦

عندما عرفتُ القراءةَ كانت أمي كلما أصابها القلقُ من الحاضرِ والمستقبل جاءت بكتيبٍ صغير وحلويات في ليلةٍ الجمعة. كانت الحلويات تغريني بقراءة القصة التي عرفتُ منها كيف ملكَ علي (ع) قلوب الفقراء وتَملكوه. وعلى ضوء المصباح، في بيتنا الصغير المتواضع، كنت أقرأ لها قصةَ عبدالله الحطاب التي تمدها بأمل الحياة وحبِّ علي (ع). لم تبتعد أمي عن عليٍّ (ع) كثيراً حتى إنها ماتت في جوار قبره وبقيت هناك! كان في الكتاب وريقاتٌ صفراء بخطٍّ كبير تروي أن عبدَالله الحطاب كان مؤمناً فقيراً وكسبه في كل يومٍ من الحطب الذي يأخذه إلى السوق ويبيعه بدريهماتٍ قليلة يقتات بها هو وعياله السبعة، وكانت زوجته قد نذرت في كل يومِ جمعة قبل طلوع الشمس أن تقفَ على باب البيت تدعو الله أن يريها ولياً من أوليائه حتى تطلب منه أن يسأل اللهَ أن يفرج عنهم ضيق معيشتهم. ذاك الولي الذي قصدته أمي والفقراءُ هدأت شِقشقته اليوم فهل غاب؟!

خطب علي بن أبي طالب خطبته الشقشقية وقال فيها الكثير وقبل أن ينتهي منها قَامَ إِلَيْهِ رَجُلٌ مِنْ أَهْلِ السَّوَادِ فَنَاوَلَهُ كِتَاباً قِيلَ إِنَّ فِيهِ مَسَائِلَ كَانَ يُرِيدُ الْإِجَابَةَ عَنْهَا فَأَقْبَلَ يَنْظُرُ فِيهِ [فَلَمَّا فَرَغَ مِنْ قِرَاءَتِهِ] قَالَ لَهُ ابْنُ عَبَّاسٍ: يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ لَوِ اطَّرَدَتْ خُطْبَتُكَ مِنْ حَيْثُ أَفْضَيْتَ. فَقَالَ: هَيْهَاتَ يَا ابْنَ عَبَّاسٍ تِلْكَ شِقْشِقَةٌ هَدَرَتْ ثُمَّ قَرَّتْ. قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: فَوَاللَّهِ مَا أَسَفْتُ عَلَى كَلَامٍ قَطُّ كَأَسَفِي عَلَى هَذَا الْكَلَامِ أَلَّا يَكُونَ أَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ (ع) بَلَغَ مِنْهُ حَيْثُ أَرَادَ.

ليس أبلغ من العربِ ولغتهم العربية، وإذ كان في العرب فصحاء بلغاء كثيرون لكنهم لم يقربوا من بلاغةِ علي (ع) في كل ما تحدث فيه، في التوحيد، والسياسة، ودساتير الحُكم، والحِكم والكون، وهمومٍ شتى.

توظف الشركات والحكومات جماعات ممن يتقنون فنونَ اللغة ويعملون في بيئةٍ تقرب من الكمال ليأتوا بكلماتٍ تختصر رسالةَ وهدف مؤسستهم وربما عملوا أياماً لتكون محصلتهما سطورًا قليلة، قابلة للنقد والنقض، ويرتقي عليٌّ (ع) أحداجَ الإبل وينحدر في بلاغته مثل السيلِ الجارف في المضمونِ وحلاوة النطق لا يسكت شِقشقته سوى جهل من يستمع إليه، وتبقى كلماته تعبر التاريخ دون نقض أو نقد!

يخطئ من يظن أن من ملأ التاريخَ شِقشقةً ولم يقر حياًّ قد قر ميتا. فعلي (ع) ينطق ميتا كما كان بين الأحياء وغير علي (ع) ميتٌ بين الأحياء. ارتحل علي (ع) ليلة الواحد والعشرين من شهر رمضان سنة 40 من الهجرة من وهمِ الحياةِ إلى حقيقة الموت ولم تقر شِقشقته ولكن قرَّت أعينُ من ناووه وبكت فرحاً إذ غاب شخصه وصمت لسانه وغُمِدَ سيفه، كما بكت عيون من أحبوه لأنهم فقدوا المنارةَ التي تضيء لهم الطريق والركنَ الشديد والحصنَ المنيع الذي يأوون إليه عندما تطحنهم محنُ الأيام.

ماذا لو عادت الأيام وعاد علي (ع) بيننا، كم سيبقى قبل أن يجهر بقوله مللتهم وملوني ثم يأتي شقيٌّ ينهي تلك المعاناة؟ الزمن هو صندوقٌ لأفعالنا إما نملأه جواهرَ نفيسة أو نعيدُ ملئه بالجلاميدِ والصخورِ الصماء، وسنن التاريخ تذكر أننا أقرب لملئه بالصخورِ وقتل علي (عليه السلام)...