في الجارودية.. بعد أن فقدت بصرها في حملها.. «بشرى» تتوج بـ«الأول» في حفظ القرآن

نعمة كبيرة أن يحفظ الإنسان كتاب الله العزيز، القرآن الكريم بعد توفيق الله، ليصبح حفظه غاية لكل مبصر، يبذل الجهد في ذلك، فإنه أمر لا يدعو للتوقف كثيرًا، حيث إن لكل مجتهد نصيبًا والتوفيق بيد الله، في حين أن يأتي حفظه حلمًا لكفيفة بوجود العائق البصري في حفظه، وهنا تقف احترامًا، ويعلو وجنتيك الفخر والاعتزاز لكفيفة ترنو إلى تحطيم المستحيل، لتذيب الصعب، وتأخذها الإرادة باتجاه تحقيق حلمها، لتعيش آياته في كل تفاصيل حياتها، وتحول اليأس إلى الأمل والتفاؤل، والرضا بقضاء الله وقدره.
استطاعت الكفيفة بشرى الجارودي، المنحدرة من بلدة الجارودية في محافظة القطيف، حفظ ستة أجزاء من القرآن الكريم، وسور متفرقة منه، والآن تعمل على حفظ الجزء السابع، بعد مرورها بحيثيات فقدها البصر، فتارة تبصر، وتارة أخرى تعيش الظلام نتيجة مراحل العلاج، التي جاءت ما بين سعد وألم، لتشارك في عدة مسابقات للقرآن الكريم، محققة مراكز أولى، وحاصلة على عدة جوائز، كانت آخرها في شهر رمضان الجاري، حيث حققت المركز الأول في مسابقة دار القرآن، التابع لجمعية القطيف، وتشارك في مجالس قرآنية في بلدتها الجارودية، كذا في بعض الاحتفالات، كما أشرفت على فعالية نفذت في مركز المكفوفين، بعنوان "تجارب فيزيو كيميائية"، مع فاطمة العلوي، وأيضًا مشاركتها في فعاليات خارجية تُعنى بتوعية المجتمع.
تقول "الجارودي" الأم لثلاث بنات وولد، والمتخرجة في جامعة الملك سعود بالعاصمة الرياض، والحاصلة على بكالوريوس كيمياء عامة، والعضو في مركز رعاية المكفوفين، والمتطوعة فيه، والعضو في نادي "تألق توست ماسترز"، الذي افتتح هذا العام للكفيفات: إنها خاضت جميع المراحل الدراسية، حتى الجامعية، وتزوجت وأنجبت ثلاث بنات، وهي مبصرة، تعانق ملامح فلذات كبدها، وفي أثناء حملها الرابع، أصيبت بمرض NMO، أو ما يعرف بمرض ديفيك، الذي يهاجم الجهاز العصبي، وبالتدريج يشل حركة الأعصاب.
وجاءت معاناتها في بداية المرض، حيث أصيبت في العصب البصري للعين اليسرى، وتدريجيًا اختفت حاسة البصر منها، ثم انتقل إلى العين اليمنى، واختفت حاسة البصر منها، تدريجيًا، وكل ذلك تم خلال شهر واحد، وهي في شهرها الخامس أو السادس من الحمل بابنها، الذي جاء بعد ثلاث بنات.
عاشت "الجارودي" في ظلام يقض مضجعها، ويؤرق دقائق حياتها والاعتناء بطفلها بعد الولادة، وتربية أخواته الثلاث، التي كانت أكبرهن عمرها آنذاك عشر سنوات، وأصغرهن لم تكمل الثانية ربيعًا من عمرها، كذلك مسؤولية أسرتها.
وسردت حكاية علاجها، بأنها ذهبت إلى المستشفى الذي أعطاها الكورتيزون، ونتيجة له رجع البصر تدريجيًا لكلتا العينين، بعد أن عرفوا أن مرضها عصبي.
وأوضحت أنهم لم يتأكدوا أي نوع هو، كي يعطوها العلاج اللازم، الذي يوقف هجمات المرض، لتكمل حملها مبصرة، وأنجبت طفلها، لتعيش معه مبصرة إلى أن وصل عمره إلى سنة وشهرين، وكبر طفلها، والآن عمره تقريبًا 9 سنوات، لترجع هجمات المرض في العصب البصري للمرة الثانية كما في الهجمة الأولى، وعلى أثرها اختفى البصر تدريجيًا خلال شهر فقط، لتعود إلى الظلام مرة أخرى، لكن بعدما أخذت الكورتيزون للمرة الثانية، رجع البصر تدريجيًا لمدة شهرين فقط، ورجعت هجمات المرض على العصب البصري، واختفى البصر تدريجيًا في وقت قصير.
وتقول: "من هنا تيقنت أنه لم ينفع الكورتيزون مع المرض، فذهبت إلى عدة مستشفيات، والتقيت بعدة أطباء، وأخذت أنواعًا من العلاجات، لكنها لم تنفع في علاج التهاب العصب البصري، ثم أحسست أن الالتهاب توقف، وتوقفت معه حاسة البصر، أحسست أني انتهيت".
ومع الآهات، التي خلّفها رجوع المرض، وفقد البصر مجددًا، لم تفقد الأمل، فحوّلت إلى مستشفى الملك فهد التخصصي، وعند الدكتورة ابتسام الثبيتي، التي تكن لها كل التقدير، بعدما تعرفت على المرض عبر الأشعة والتحاليل، التي أرسلت إلى الولايات المتحدة الأمريكية، لتأتي النتيجة بأنه مرض NMO الشبيه إلى حد ما بالتصلب اللويحي ms، وقبل أن تعطيها علاج الريتوكسيماب، هاجم المرض أعصاب الأطراف، وأضعف حركتها، فذهبت إلى الإسعاف، عندها أسرعت الدكتورة بإعطائها علاج الريتوكسيماب، الذي لا تزال تأخذه كل 6 أشهر لمنع الهجمات، مع الكورتيزون عن طريق الوريد، ومع العلاج الطبيعي، رجعت أعصاب الأطراف تعمل طبيعيًا بعد أن كادت أن تتوقف، هي والعصب البصري.
وبلغة الحسرة، تشير إلى أن الدكتورة، قالتها لها: "يا بشرى؛ لقد تأخرتِ"، لتبين "الجارودي" أنه كان من الممكن أن يرجع البصر مع علاج الريتوكسيماب المناسب، الذي يوقف هجمات هذا المرض، لو عرفه الأطباء مبكرًا، وعندها تأزمت نفسيًا، وتركت مسؤولياتها، لتنعزل عن الناس، يؤلمها الألم، وظلام الأشياء بين مسافاتها.
لم ترحمها الأيام، ففي فترة علاجها الأخيرة، توفي والدها "رحمه الله"، وأصيب زوجها بورم في الرأس، أجريت على أثره عملية جراحية له في العاصمة الرياض، وتكفل أخوتها بمساعدتها في متابعة مواعيد المستشفى.
"وكلما استحكمت حلقاتها فرجت، وكنت أظنها لا تفرج"، برغم كل هذه الآلام، لم تسمح لليأس أن يعرف طريقه لدنياها وأحلامها، نداوة الابتسامة على ملامح وأرواح فلذات أكبادها، مَن تبصر الحياة من خلال أعينهم، وأحلامهم، وتطلعاتهم، وأنفاسهم، التي تمتزج بأنفاسها، ورائحتهم، التي تفتح الشرفة في حياتها، بملء الأفق، واتساع لحظة البوح، فبعد استقرار حالتها، وحالة زوجها، تحدث نفسها: "لن أسمح لليأس أن يتملكني، وعندي أولاد لابد أن أعلمهم عدم اليأس عند مواجهة أي مشكلة تصادفهم في حياتهم"، لترجع تدريجيًا لمسؤولياتها من الاعتناء بأولادها، وتجهيزهم للمدرسة، وأعمال المنزل والطبخ.
تعرفت على رئيسة القسم النسائي لمركز رعاية المكفوفين، التابع لجمعية مضر الخيرية بالقديح، أحلام العوامي، الذي ساعدها كثيرًا في التأقلم مع حالتها، معتبرة إياه منزلها الثاني، ليجيء اللقاء الأول لها بالكفيفات في مولد الإمام الرضا (ع)، فتقول وتخنقها العبرة: "في الحقيقة أردت أن أصرخ، وقلت في نفسي، كيف يعيش هؤلاء كل هذه السعادة، وذلك لأني أحسست أني عشت في الألم بما فيه الكفاية".
تدربت في مركز مكفوفي القطيف في عدة دورات، منها وأهمها لغة "برايل" عربي وإنجليزي، ليأخذها طموحها في أوجّه إلى دورات أخرى، منها: أساسيات الحاسب الآلي والخوارزمي 3 مستويات، والحياكة بالنول، وبحور الشعر.
ودعت "الجارودي" إلى زيادة الدعم لمركز مكفوفي القطيف، ليتمتعن بالخدمات التي يقدمها، فإنها تراه منزلها الثاني، والكفيفات أخواتها، تعيش معهن كأسرة، ويجمعهن الأسى ذاته، والحلم ذاته، والتطلعات ذاتها.
تقتطع جزءًا من لحظات يومها في التصميم، والحياكة بالنول، والموهبة التي طورتها، لتتقنها بحضور الدورات، لتؤكد أن الحياة لا يأس يكتنفها، وأن فقدان البصر لن يشكل عائقًا لها في حياتها، لتفتح ذاتها، وما يختلجها بقرض الشعر، بعد دراستها لبحوره "بحور الخليل بن أحمد الفراهيدي"، ومعرفة بنائية النص، ودهاليز الإبداع فيه، ليكون متنفسًا لصمتها وحديثها.
وما بين لوعة الحرمان من البصر، والرضا، كل أمنيتها امتلاك جهاز "برايل" الذي يكلف بحجمه الكبير 23 ألف ريال، وفي حجمه الصغير 18 ألف ريال، ليكون رفيقها، لتهمس في آذان الأطباء، والدموع حروفها، وأناتها، بأن يبحثوا في مستجدات الأمراض، تقول: "لو عرف الأطباء المرض الذي أعانيه منذ البداية، لما وصلت إلى ما عليه الآن"، كنا في «القطيف اليوم» نصغي لها، لتودعنا عند مفترق الطريق، وهي تبتسم، موجهة رسالة للمجتمع، مفادها: إنه بكف البصر لا تنتهي الحياة.
[banner id="156253" caption_position="bottom" theme="default_style" height="auto" width="auto" show_caption="1" show_cta_button="1" use_image_tag="1"]