سمو الذات وقدسية الهدف

لا شك أن الأخلاق الحسنة إذا شاعت في المجتمع ومنها الصدق والأمانة والعدل والنصح، أمن الناس وحفظت الحقوق وقويت أواصر المحبة بين أفراد المجتمع وقلت الرذيلة وزادت الفضيلة وقويت شوكة الإسلام، وإذا شاعت الأخلاق السيئة فسد المجتمع واختل الأمن وضاعت الحقوق وانتشرت القطيعة بين أفراد المجتمع وضعفت الشريعة في نفوس أهلها وانقلبت الموازين، ولذلك نلحظ أن عليّا (ع) ركّز في وصيته لأبنائه على الجانب الأخلاقي الذي يرفض الثأر والولوج في الدماء بحيث لا يخوض أبناؤه وسائر بني هاشم في إراقة دماء المسلمين مطالبين بثأره، فقال (ع) لأولاده وجميع المسلمين:
"يا بني عبدالمطّلب، لا ألفينّكم تخوضون في دماء المسلمين خوضاً، تقولون: قتل أمير المؤمنين، ألا لا تقتلنّ بي إلّا قاتلي".
انظروا إذا أنا متّ من ضربته هذه، فاضربوه ضربة بضربة، ولا تمثّلوا بالرّجل، فإنّي سمعت رسول الله (ص) يقول: «إيّاكم والمثلة ولو بالكلب العقور».
لكن نلحظ أن الناس عندما يختلفون في حياتهم، تراهم يتنازعون ويتقاتلون فيسيء إنسان إلى إنسان بحيث يكون هناك إنسان يسيء، وآخر يُساء إليه، إمّا بكلمة غير مسؤولة، وإمّا بحركة غير مسؤولة كما يضرب إنسان إنساناً، أو يجرحه، أو يعطّل مصالحه، ففي مثل هذه الحالة جعل الله للإنسان الحقّ أن يرد العدوان بمثله (فَمَنِ اعْتَدَى عَلَيْكُمْ فَاعْتَدُوا عَلَيْهِ بِمِثْلِ مَا اعْتَدَى عَلَيْكُمْ)
فالإسلام يقول لك أن تأخذ حقّك ممن اعتدى عليك بالعدل، أي بشرط ألا تتجازوه قيد شعرة، فإذا سبّك إنسان فليس لك أن تضربه، وإذا ضربك فليس لك أن تجرحه، وهكذا إذا اغتابك فليس لك أن تبادره بطريقة عنيفة، فإنّ القرآن يحدّد الموقف في ذلك قال تعالى: {وَمَنْ قُتِلَ مَظْلُومًا فَقَدْ جَعَلْنَا لِوَلِيِّهِ سُلْطَانًا فَلا يُسْرِفْ فِي الْقَتْلِ إِنَّهُ كَانَ مَنْصُورًا}…
فإذا أردت أن تطبق حكم الله فلك ذلك، ولكن ليس لك أن تمثّل به، وهذا ما طبّقه أمير المؤمنين عليّ بن أبي طالب (ع) على نفسه، فأوصى أولاده بألا يقتلوا غير قاتله، ولا يرتكبوا مثل ما ارتكبه غيرهم، الذين أراقوا أنهاراً من دماء المسلمين بغير حقّ.
وقد مارس أمير المؤمنين عليّ بن أبي طالب (ع) هذا المبدأ في حادثة أُخرى، حيث كان جالساً مع أصحابه وهو يومئذ (الخليفة)، فمرّت امرأة جميلة، فرمقها القوم بأبصارهم، فالتفت إليهم الإمام عليّ (ع) معلماً وموجهاً، لم يتحدّث معهم بأسلوب عنيف، قال لهم "إنّ أبصار هذه الفحول طوامح، وإنّ ذلك سببُ هبابها، فإذا نظر أحدكم إلى امرأة تعجبه فليلامس أهله، فإنّما هي امرأة كامرأته" وسكت الإمام، وكان هناك شخص من الخوارج الذين كفّروا عليّاً (ع) لقبوله بالتحكيم قد أعجب بكلام الإمام، ولكنه يعتقد أنّ الإمام كافر، فقال: "قاتله الله كافراً ما أفقهه!" يعني كم يفهم هذا الكافر قاتله الله، فتصوّر أنّ خليفةً وبيده السلطة وأصحابه حوله، وهذا الخارجي يشتمه وهو بمفرده، ماذا يكون الموقف؟ لقد وثب إليه القوم ليقتلوه، فأومأ إليهم أمير المؤمنين (ع) وقال: "رويداً إنّما هو سبٌّ بسبٍّ أو عفو عن ذنب" إنّ الرجل سبّني، فليس ردّ فعل السب هو القتل {فَمَنِ اعْتَدَى عَلَيْكُمْ فَاعْتَدُوا عَلَيْهِ بِمِثْلِ مَا اعْتَدَى عَلَيْكُمْ}.
فإمّا أن أسبّه لآخذ حقِّي، وإمّا أن أترك ذلك فأعفو عنه.
هذا هو الخط الإسلامي الواقعي وهو أن يكون لك الحقّ ولكن بعدلٍ، لأنّك عندما تمنع إنساناً من أن يثأر لنفسه، فإنّك تخلق مشكلة اجتماعية لأنّ المسألة عند ذلك سوف تتحوّل إلى عقدة نفسية تتفجّر بأشياء أُخرى، لأنّ طبيعة ثأر الإنسان لذاته هي طبيعة إنسانية ذاتية يتحرّك نحوها الإنسان بشكل طبيعي، ولكنّ الله سبحانه وتعالى بعد أن أعطاك هذا الحقّ قال لك إنّك صاحب حقّ الآن، ولكن إذا عفوت عن هذا الإنسان وأنت قادر أن تقتص منه فإنّ الله يعطيك ثوابه وأجره، وإنّ ذلك يمكن أن يمثل وسيلة هي الأقرب في خط الانضباط في خط الله والالتزام بمواقع حجة الله ورضاه، ولذلك قال: {وَأَنْ تَعْفُوا أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى}…
فالله هو العفوّ القدير، فكن أنت العفوّ من موقع القدرة، ففي الحديث "تخلّقوا بأخلاق الله". وهكذا ركّز الله (سبحانه وتعالى) الأخلاق الإسلامية على خطّ التوازن، فلا يعني كونك صاحب حقّ أن تأخذ بحقّك كيفما تشاء، فالله أراد لك أن تعفو عمّن أساء إليك، هذا في القرآن الكريم. أمّا في السنّة الشريفة، فهناك حديث يقول: "ألا أخبركم بخير خلائق الدنيا والآخرة، العفو عمّن ظلمك، وأن تصل مَن قطعك، والإحسان إلى مَن أساء إليك، وإعطاء مَن حرمك". وهذه الخصال تمثل عمق الأخلاق الإسلامية، فإنّك إذا كنت تعطي مَن أعطاك، فهذه مبادلة، أو تصل من وصلك فهذه أيضاً مبادلة وعملية تجارية وليست أخلاقاً.
ختاما أقول إنّ الأخلاق تتمثل وتتجلّى عندما يكون للطرف الثاني حقّ عليك بل يكون ضدّ الحقّ، وهذا الذي عبّر عنه الإمام عليّ بن الحسين زين العابدين (ع) في دعاء (مكارم الأخلاق): "اللّهمّ وسدِّدني لأن أعارض مَن غشّني بالنصح، وأُجزي مَن هجرني بالبرّ، وأُثيب مَن حرمني بالبذل، وأُكافيء مَن قاطعني بالصِّلة، وأُخالف مَن اغتابني إلى حُسن الذِّكر".
————————
نسأل الله سبحانه أن يتقبّل منّا هذا القليل، عسى أن يجعله بمثابة مجدافٍ في السفينة لمن أراد النجاة، وأن يغفر لنا ذنوبنا...



