الثلاثاء 13 أكتوبر 2026
مصادريكل المصادر
اختر الصحف التي تريد أخبارها
التنبيهات
أدب ورأي

إلى الخالة الراحلة.. «زهراء الجارودي»

د.نادر الخاطر · القطيف اليومالأربعاء 17 يوليو 2019، 11:19 ص
إلى الخالة الراحلة.. «زهراء الجارودي»

في يوم مبارك من مولد الإمام الرضا (ع) توفيت خالتي رحمة الله على روحها في مقام النعيم. لم تبعث لنا سابق إنذار برحيلها، كعادة الموتى: يغافلونك بتصنع الحياة، ويَعِدونك ببسمة أخرى كلما ودّعتهم في اللقاء الأخير، ثم يذهبون ولا يعودون أبدا.

طوال حياتي، كنت أراها أماً رحوما، تطلّ من وجهها الصبوح البسمة وبِشْر الرضا، وكلما أغضبتني الدنيا أو رمتني بكدرٍ، أهرع إليها؛ فتغسل عني ما علق بنفسي، فأعود إلى الحياة منشرح الصدر، أحمل طاقة جديدة، وروحا نظيفة. من قال إن الأمهات يغسلن ملابسنا كالصغار فقط؟

منذ أن كنت طفلًا صغيرًا، كنت أجد عندها الرفق وما يسُرّ النفس، فقد دأبت على ذلك مع الصغير والكبير، تنفق على الناس البشر بمقادير لا تحصى، ومن عطاء اليد عطاء غير منقوص. لم تتسلل إلى قلبها قساوة الأيام، فعاشت بقلب أبيض وعزيمة لا تنكسر في وجه صعوبات وأعاصير الحياة.

كانت خالتي أيضا بمقام الجدة، إذ أنها كانت أم أخواتها وأخوانها، فهي من غزلت حصير ومديد النخل مع أمها لتساعد في تربية أخوتها، كانت نخلة تسمق مع الزمان، كلما رماها الزمان بنائبة رمته برطب حلو المذاق معسول.

ثمة أناس مثل خالتي لا تحمل اللغة معني لترثيهم، كما لا تحتمل النفس افتقادهم، سأفتقد من زماني أجمل الأزمان التي كانت مخصصة لزيارتها، وستفتقد حياتي قيمًا ودروسًا كانت هي موردها. سيفتقد أبنائي مثلي فرحة كانت تغمر نفوسهم في حضرتها، سيفتقدون معلما وناصحا وحكيما وواعظا استل كل خبراته من مصارعة الحياة. لكن كما قال الرندي: "هذه الدار لا تبقى علي أحد ولا يدوم على حالها شأن".

رحلت خالتي زهراء (أم علي آل جمعة) ورحلت أشياء كثيرة طوتها بين ثنايا نعشها الطاهر، لكن تركت أبناء كنخلات في بستانها النضير، هي من غرستها، وجمّلتها بالأخلاق والأدب والكرم، تركت لكل من يمر على منزلها ما هي في قلوبنا، سلام من الله على روحك الطاهرة، وجعلك في روض من رياض الجنان اليانعة، ورضي عنك الرضا الإلهي العظيم، ورفعك الله مقام الصالحين مع الأنبياء، وإنّا لله وإنّا إليه راجعون.