الثلاثاء 13 أكتوبر 2026
مصادريكل المصادر
اختر الصحف التي تريد أخبارها
التنبيهات
أدب ورأي

المرأة ودورها بين النكران والعرفان

إبراهيم الزين · القطيف اليومالجمعة 29 نوفمبر 2019، 7:59 م
المرأة ودورها بين النكران والعرفان

على الرغم من أننا نعيش عصر الانفتاح والوعي، وما يزخر به من علم وتحضر واستنارة في شتى المعارف والثقافات، وانفتاح على مختلف الحضارات، لا يزال البعض يظن أن المرأة ما هي إلا حاجة من حاجاته التي تحتويها سلة رغباته الشخصية، وكمالياته الدنيوية، في حين أن هذه الإنسانة الرائعة تشكل القلب النابض للحياة، وبدونها تفتقد هذه الحياة قوامها وكمالها وجمالها ومعناها الحقيقي.

فلا الرجل ولا الأسرة ولا القبيلة، ولا حتى المجتمعات بأسرها وعلى اختلافها يمكن أن تستغني عن وجود الأنثى، النصف الآخر لثنائية الوجود الأزلية، وعلى اختلاف تكوينها وأجناسها.

نظل نحن في جنسنا الآدمي متحيرين من بعض فئاته الممعنة في تهميش المرأة ودورها الأصيل الذي خلقت من أجله، فهي الأم والابنة والأخت والزوجة والسكن والوطن لنا جميعاً في كل أنفاسها وأحاسيسها ومواقفها المختلفة، في مجتمعٍ غائب بعضه أصلاً عن فهم حقيقة وجودها، وانغلق على نفسه، وحكم ولا يزال يحكم عليها بحكم الجاهلية الأولى، حيث ما فتئ البعض قلوا أم كثروا يعتبرونها وللأسف وسيلة لا غاية، فما هي إلا وعاءً، وهدفاً لقضاء وطرهم، وخادمة تحت أرجلهم، دون مراعاة لمشاعرها الفياضة بالرقة والحنان والحب والجمال والأنوثة الرقيقة والمشاعر المرهفة والبنية الناعمة نعومة الورود، حين خلقها الله عز وجل بهذه الصفات والصورة التي هي عليها مجسدة الكمالات التي ينشدها المرء ليضعها في عينيه ووسط حناياه، ولكن أرادها هذا الجاهل لقدرها أن تكون جارية تحت أمره وطوع إرادته واتباع أوامره والانتهاء بنواهيه، متخذاً من رجولته الغبية وقاءً، ومن غلظته التعسفية حُكْماً وقضاءً.

وقد كُتب عليها أن تقضي حكم المؤبد تحت هذه السلطنة المتخلفة، مكتوفة الأيدي بلا حولٍ ولا قوة ولا قدرة على الانتفاضة لنيل حقوقها، والتي ربما عرفتها، ولكن ما ألفته من أعراف وتلقته من مواعظ مغلوطة، وقضته في تربية ساذجة، ظنته هو الحقيقة المطلقة خاصة حين يصدر من ولي أمرها فاستسلمت لذلك طائعة، ثم سلمت نفسها لحياة أخرى أكثر صرامة وشدة، وإن كان بعضهن قد علمن بشكل أو بآخر لاحقاً أن هذه ليست هي الحياة المأمولة، في أن تكون شريكة، لا أن تقع في شراك المهانة وبراثن الظلم، ولكن بعد أن فات الأوان وأصبحت ملزمة بأن تهتم بأولادها وأسرتها ومراعاة مسؤولياتها، بدل هدم كل ذلك، وخسارة كل شيء.

هذا الاستنتاج لا يعني أبداً عدم وجود نماذج من النساء نقف لهن بإجلال وإعجاب، ممن استطعن أن يصبحن قدوة لغيرهن، ويخلدهن التاريخ، باعتزاز لمواقفهن اللافتة وتاريخهم الناصع على مختلف الصعد، ولا يزال البعض منهن يسطرن الصفحات تفرداً بالمثالية الحقيقية التي يجب أن تكون عليها حياتها ورسالتها.

كما لا ننكر هنا الغالبية من الرجال الذين ينصفون المرأة إنصافاً عادلاً وينزلونها منازل التقدير والإجلال، ويقدمون لها أنفسهم وقلوبهم على أكف الفخر والاعتزاز، فضلاً عن المحبة الصادقة تقديراً لها ولمكانتها وما تمثله وما تبذله وتؤثره على نفسها احتساباً عند الله، وهؤلاء هم فعلاً من يكملون الثنائية التي ينشدها جنسنا الآدمي.

ولكن يبقى هناك من المتوارث ما لم يتغير، ولم يستطع أحد تغييره، وإن انتفض عليه البعض من الجنسين، والشواهد عليه كثيرة أمامنا، فلا يزال هنا وهناك من لا يكترث بمسؤولياته، ابتداءً من عائلته وعلى رأسها زوجته أمّ وِلدِه، حين تكون آخر اهتماماته، يقضي جل وقته خارج منزله مع شلله وأصحابه صباح مساء، متجاهلاً تلبية حاجاتهم العاطفية والشخصية والنفسية، ومتناسياً دوره كأب في تربية ومتابعة وتهذيب أبنائه، ولربما يعيش معه والداه أو أحدهما فيطالهما التقصير واللامبالاة، وتلك هي الطامة الكبرى.

وكيف يفعل وينتبه ويعي وقد رمى حمل المسؤولية على غيره مكتفياً معهم بالنوم والأكل والشرب كيفما اتفق، فلا هم له سوى اللهو والاستمتاع وإشباع بطنه وما شابه من الإشباعات، وهو يظن أن هذه هي الرجولة، بل ويتأفف حين يذكره أحد أو ينصحه بالالتفات لأسرته ورحمه، متهكما ومزدرياً ذلك، حيث يظن أن الرجل ليس ذلك الذي يجلس مع النساء والأطفال مهما كانت قرابتهم منه، وكأن الجلوس مع زوجته عار يعاب عليه.

فلا غرابة أن يضيع الأبناء، وتعيش الأم حياة البؤس، وتتفكك الأسرة بل معظم الأسر التي ابتليت بأمثاله، ويفلت الأبناء لتحتضنهم الشوارع ويتلقفهم أصحاب السوء، فيسوء حال المجتمع، بل مختلف المجتمعات المماثلة، ليتشاركوا فيما يمعن في تردي الحياة الإنسانية الفاضلة المنشودة.

متى يعي هذه النوع من البشر دوره ومسؤولياته تجاه نفسه وأسرته، ويقوم بواجباته التي نصت عليها كل النواميس والقواميس والأعراف، فضلاً عن تكوينه الفطري؟ ومتى يعي دور المرأة في حياته، ليعطيها حقها ويضعها في مكانها الطبيعي، ويلتفت لذويه ومن يعيل؟

ومتى يعلم أن هذه هي مملكته التي يجب أن يحكمها بعدل وإنصاف وقوامة حقه، وأن ما يلهيه عنها ما هو سوى عبث وضياع، ربما يعود عليه بالوبال، فقد يحتاج من يقف معه فلا يجد سوى النكران والنقمة من أقربهم إليه، ليرى نفسه وقد أمسى وحيداً قد نبذه أهله، وأنكره حتى أصحابه بقدرة قادر عادل، ليجد نفسه ضائعاً تائهاً في سكة من ينتظره من أمثاله.