الثلاثاء 13 أكتوبر 2026
مصادريكل المصادر
اختر الصحف التي تريد أخبارها
التنبيهات
أدب ورأي

حقوق الموتى

الشيخ عبدالعزيز الجبيلي · القطيف اليومالجمعة 27 ديسمبر 2019، 10:14 ص
حقوق الموتى

عن أبي عبد الله الصادق عليه السلام قال: "إن المؤمن ليزور أهله فيرى ما يحب، ويستر عليه ما يكره، وإن الكافر ليزور أهله فيرى ما يكره، ويستر عنه ما يحب"، ثم قال: "ومنهم من يزور كل جمعة ومنهم من يزور على قدر عمله" ( الكافي).

من الأمور التي يغفل عنها كثير من الناس، هي حقوق الأموات، هؤلاء الذين رحلوا عنا وأصبحوا تحت التراب، آباؤنا وأمهاتنا وأرحامنا، وهم الآن في أمس الحاجة إلينا في ما ينفعهم لآخرتهم.

ولأهمية الموضوع نمهد له بمقدمة:

إن اهتمام الإنسان بالآخرين سواء كان بعياله، أو بأهله، أو بأقربائه، أو أرحامه، أو بغيرهم، له عوامل ثلاثة:

١-عامل الحاجة وحب الانتفاع.
٢-عامل العاطفة المتبادلة.
٣- عامل التكليف الشرعي.

عندما يكون الإنسان طفلاً صغيراً فإنه يهتم فقط بأبويه، ويرتبط بهما ارتباطاً قوياً وذلك بسبب حاجته لهما، بحيث لا يمكنه أن يعيش بدونهما، ولكنه عندما يكبر ويصبح شاباً قوياً فإنه يصبح غير محتاج لهما، ولكن بسبب العاطفة بينهما تجده يهتم بأبويه من دون الحاجة إليهما.

ولكن عندما يصلان إلى مرحلة الشيخوخة ويكبران في العمر، فإن عامل الحاجة والعاطفة اتجاه الولد لوالديه يضعف جداً.

وهنا يأتي العامل الثالث، والذي بسببه يكون الاهتمام بهما، ألا وهو عامل التكليف الشرعي.

قال الله تعالى: {إما يبلغن عندك الكبر أحدهما أو كلاهما فلا تقل لهما أف ولا تنهرهما وقل لهما قولاً كريماً}، سورة "الإسراء".

هناك فهم خاطئ عند الناس، إذ يتصور البعض بمجرد موت الإنسان أن الميت لا حاجة له به والتكليف الشرعي ينتفي لانتفاء الموضوع، فتضيع الحقوق بين الأحياء والأموات.

ولكن عندما نرجع لروايات أهل البيت المعصومين عليهم السلام، نجد أن هذه العوامل تشتد وتتضاعف أكثر وأكثر، إذ إن عامل العاطفة لا ينقطع بين الأحياء والأموات بل يستمر.

عن إسحاق بن عمار قال: قلت للإمام الرضا عليه السلام: يزور المؤمن أهله؟ فقال: نعم، فقلت: في كم، قال: على قدر فضائلهم، منهم من يزور في كل يوم، ومنهم من يزور في كل يومين، ومنهم من يزور في كل ثلاثة أيام، ومنهم من يزور كل جمعة وهو أدناهم، قلت: في أي ساعة؟ قال: عند زوال الشمس، (الكافي).

وعن أبي عبد الله الصادق عليه السلام أنه قال: ما من مؤمن ولا كافر إلا وهو يأتي أهله عند زوال الشمس، فإذا رأى أهله يعملون بالصالحات حمد الله على ذلك، وإذا رأى الكافر أهله يعملون بالصالحات كانت عليه حسرة، (الكافي).

إن الأحياء بحاجة ماسة للأموات أكثر من الأحياء، لماذا؟ لأن دعاءه مستجاب بحق الأحياء.

عن أبي عبد الله الصادق عليه السلام قال: قال أمير المؤمنين عليه السلام: زوروا موتاكم فإنهم يفرحون بزيارتكم، وليطلب أحدكم حاجته عند قبر أبيه وعند قبر أمه بما يدعو، (الكافي).

وأما عامل التكليف الشرعي، فإن الروايات تبين أن التكليف كما يكون بالحياة الدنيا، يكون بعد الممات أيضاً بل يزداد.

عن الإمام الباقر عليه السلام قال: العبد ليكون باراً بوالديه في حياتهما ثم يموتان فلا يقضي عنهما ديونهما ولا يستغفر لهما فيكتبه الله عاقاً، وإنه ليكون عاقاً في حياتهما غير بار بهما، فإذا ماتا قضى دينهما واستغفر لهما فيكتبه الله عز وجل باراً.

هل الأموات بحاجة إلى الأحياء؟

عندما يموت الإنسان ينتهي عمله ولا يستطيع التزود بالحسنات إلا عن طريق الأحياء أو ما تركه من عمل صالح ينتج له الحسنات.

عن رسول الله صلى الله عليه وآله قال: إن أرواح المؤمنين تأتي كل جمعة إلى السماء بحذاء دورهم وبيوتهم، ينادي كل واحد منهم بصوت حزين باكين: يا أهلي ويا ولدي ويا أبي ويا أمي ويا أقربائي، اعطفوا علينا يرحمكم الله بالذي كان في أيدينا، فالويل والحساب علينا والمنفعة لغيرنا.

وينادي كل واحد منهم إلى أقربائه: اعطفوا علينا بدرهم أو رغيف أو كسوة، يكسوكم الله من لباس الجنة.

ثم قال صلى الله عليه وآله وسلم بعد أن بكى: أولئك اخوانكم في الدين فصاروا تراباً رميماً بعد السرور والنعيم، فينادون بالويل والثبور على أنفسهم يقولون: يا ويلنا لو أنفقنا ما كان في أيدينا في طاعة الله ورضائه، ما كنا نحتاج إليكم، فيرجعون بحسرة وندامة وينادون أسرعوا علينا بصدقة الأموات.

هل ينتفع الأموات بما يبعثه الأحياء؟

والجواب: نعم والدليل على ذلك روايات المعصومين عليهم السلام بهذا الشأن، وأنهم ينتفعون بها وأنهم يفرج عنهم بهذه الأعمال بل وتزداد درجاتهم كلما بعث لهم أعمالاً أكثر.

عن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم قال: مر عيسى بن مريم عليه السلام بقبر يعذب صاحبه، ثم مر به من قابل فإذا هو ليس يعذب، فقال: يا رب مررت بهذا القبر عام أول وهو يعذب، ومررت به العام وهو ليس يعذب، فأوحى الله جل جلاله إليه: يا روح الله قد أدرك له ولد صالح فأصلح طريقاً وآوى يتيماً، فغفرت له بما عمل ابنه، (وسائل الشيعة).

وعن أبي عبد الله الصادق عليه السلام أنه قال: ليس يتبع الرجل بعد موته من الأجر إلى ثلاث خصال: صدقة أجراها في حياته فهي تجري بعد موته إلى يوم القيامة، وصدقة موقوفة لا تورث أو سنة هدى سنها وكان يعمل بها وعمل بها من بعده غيره، أو ولد صالح يستغفر له، (الخصال).

كيف ننفع الأموات:

أولاً: إبراء ذمتهم:
وذلك عبر قضاء فاته من صلاة وصيام، ونسدد ما وجب عليه من ديون شرعية، كالزكاة والخمس وديونه المالية.

وأن نطلب له المسامحة في حال أن الميت اغتاب أحداً أو أهانه أو أساء لأحد.

ثانياً: زيارة قبورهم:
عن إسحاق بن عمار عن أبي الحسن عليه السلام قال: قلت له: المؤمن يعلم بمن يزوره؟ قال: نعم ولا يزال مستأنساً به ما قام عند قبره، فإذا قام وانصرف من قبره دخله من انصرافه عن قبره وحشة، (الكافي).

وعن عمر بن أبي المقدام قال: مررت مع أبي جعفر عليه السلام بالبقيع، فمررنا بقبر رجل من أهل الكوفة من الشيعة قال: فوقف عليه السلام وقال: اللهم ارحم غربته وصل وحدته وآنس وحشته وأسكن إليه من رحمتك ما يستغني بها عن رحمة سواك وألحقه بمن كان يتولاه، (الكافي).