خواطر لابد منها.. 16

الرسول الأعظم والحجة المنتظر...
شكوى الفقد والغيبة
نستنير في هذه الخاطرة بمقطع من دعاء المعرفة المبارك وهو من الأدعية الذي أمرنا إمامنا وسيدنا خليفة الله في أرضه الإمام المهدي المنتظر صلوات الله عليه وأرواحنا لتراب مقدمة الفداء بالتقرب إلى الله عزّ وجلّ بتلاوته في عصر غيبته صلوات الله عليه فندعوه بهذا الدعاء قائلين:
".... اللهم إنّا نشكو إليك فقد نبينا وغيبة ولينا وشدة الزمان علينا ووقوع الفتن بنا وتظاهر الأعداء علينا وكثرة عدونا وقلة عددنا ففرج ذلك اللهم بعدل تظهره وبفتح منك تعجّله ونصرٍ منك تعزه وإمام حق تعرفه إله الْحَقِّ آمين رَبَّ الْعَالَمِينَ..".
عندما يتأمل الإنسان القارئ لهذا الدعاء الشريف يلاحظ أمرًا وهو أنه يرشدنا إلى الشكوى لله عزّ وجلّ بفقدنا إلى نبينا الأكرم صلى الله عليه وآله وبعد ملاحظتنا ينبغي لنا أن نعرف ما معنى هذه الشكوى بعد مرور أكثر من أربعة عشر قرنا على فقده صلى الله عليه وآله، يعني أكثر من ألف وأربعمائة سنة من فقده؟!
وما يلفت النظر أيضا أنَّ هذه الشكوى تكررت في عدة من الأدعية الواردة عن أهل بيت النبوة صلوات الله عليهم كدعاء الافتتاح وهو أيضا مروي عن إمامنا صاحب العصر والزمان عجل الله فرجه الشريف وأيضا أمرنا صلوات الله عليه بقراءته في ليالي شهر رمضان المبارك وهو أهم شهور السنة العبادية والذي ورد في آخر فقراته المباركة:
"اللّهُمَّ إِنَّا نَشْكُو إِلَيْكَ فَقْدَ نَبِيِّنا صَلَواتُكَ عَلَيْهِ وَآلِهِ، وَغَيْبَةَ وَلِيِّنا، وَكَثْرَةَ عَدُوِّنا، وَقِلَّةَ عَدَدِنا، وَشِدَّةَ الفِتَنِ بِنا، وَتَظاهُرَ الزَّمانِ عَلَيْنا، فَصَلِّ عَلى مُحَمَّدٍ وَآلِهِ".
ولذلك ينبغي التأمل في هذا التكرار حيث ورد في أهم الأدعية التي أمرنا بقراءتها ماذا يعني ذلك؟!
ذلك يعني لنا أنه يحمل رسالة مهمة من إمامنا الحجة المنتظر صلوات الله عليه إلى عموم المؤمنين وعلى مدار الأجيال المتتالية منذ صدور هذه الأدعية إلى حين فرجه صلوات الله عليه ومنهم مؤمنو عصر الغيبة أيضا.
ما هي إلا رسالة منه صلى الله عليه وآله لتؤكد لنا ضرورة أن نحمل همّ الفقد الجلل على عاتقنا وهو فقد الرسول الأعظم صلى الله عليه وآله وأن نستشعر الهمَّ والحزن الشديد لذلك ونشكو ذلك إلى الله جلّ وعلا.
فهل من حكمة في ذلك؟ وما هذه الأهمية العظمى في التأكيد في عدة أدعية لأن يحمل الإنسان المؤمن همّ وحزن هذا الفقد العظيم للنبي الأعظم صلى الله عليه وآله وأن نشكوا ذلك إلى الله سبحانه وتعالى؟!
استشعار الإنسان المؤمن الهمّ والحزن لفقد أفضل الخلق نبي الرحمة من شأنه تقوية أواصر الارتباط به والمحبة والمودة له صلى الله عليه وآله.
وما المحبة هذه إلا العلقة الوجودية بين طرفين هما المستكمل والمكمل وهذه العلقة الوجودية تسمى بالحب والحب له أثر وأثره المودة لأن الحب صفة نفسانية والمودة صفة عملية سلوكية ولذلك قيل من أحب شخصا ودّه وهذا هو المهم ولذلك طلب الله الأثر العملي ولذلك نلاحظ القرآن الكريم عندما تحدث عن علاقة المسلم بأهل البيت قال لا أسألكم عليه أجرًا إلا المودة يريد الأثر السلوكي العملي ولذلك لم يقل المحبة التي هي أثر نفساني.
قال تعالى: {قُلْ لَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْرًا إِلَّا الْمَوَدَّةَ فِي الْقُرْبَى}.
وأيضا عندما تحدث القرآن الكريم عن العلاقة بين الزوجين أراد منهما المودة لأن المحبة وحدها غير كافية في بناء العلاقة فلابد لها من أثر سلوكي عملي.
قال تعالى: {وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ خَلَقَ لَكُم مِّنْ أَنفُسِكُمْ أَزْوَاجًا لِّتَسْكُنُوا إِلَيْهَا وَجَعَلَ بَيْنَكُم مَّوَدَّةً}.
وهذه هي من أهم المقاصد الشرعية والوسائل الإلهية التي توصل الإنسان إلى القرب الحقيقي من الله سبحانه وتعالى لنيل السعادة بذلك.
وحيث كان رحيل النبي الأكرم صلى الله عليه وآله عن عالمنا هذا ما جاء إلا نتيجة لمؤامرات أهل النفاق والشقاق ضده حيث دّس له السُمَّ وصرحت الروايات الكثيرة بذلك وسجلتها المصادر التأريخية عند مختلف الفرق الإسلامية، نكتفي ببعض ما ذكره بعض علماء العامة في ذلك لحاجتها في توضيح الكيفية التي رحل بها رسول الله صلى الله عليه وآله.
روى البخاري عن السيدة عائشة قالت: "كان النبي صلى الله عليه وآله وسلم يقول في مرضه الذي مات فيه يا عائشة: ما أزال أجد ألم الطعام الذي أكلت بخيبر، فهذا أوان وجدت انقطاع أبهري من ذلك السم".
روى أبو نعيم وصححه الألباني في صحيح الجامع قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: "ما زالت أكلة خيبر تعاودني في كل عام، حتى كان هذا أوان قطع أبهري".
وفي المستدرك للحاكم أن أم مبشر وهي أم بشر بن البراء الذي أكل السم معه بخيبر قالت: "دخلت على رسول الله صلى الله عليه وسلم في وجعه الذي قبض فيه، فقلت: بأبي أنت يا رسول الله ما تتهم بنفسك، فإني لا أتهم بابني إلا الطعام الذي أكله معك بخيبر"، وكان ابنها بشر بن البراء بن معرور قد مات قبل النبي صلى الله عليه وسلم، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "وأنا لا أتهم غيرها، هذا أوان انقطاع أبهري".
والحديث صححه الحاكم ووافقه الذهبي والألباني.
نعم فكان لهذه الكيفية لرحيله صلى الله عليه وآله أن تزيد من لوعة قلب الإنسان المؤمن ومع ضم ما جرى من أحداث مؤلمة على أهل بيته عليهم السلام بعد هذا الرحيل.
فمن الطبيعي جدا فيما يخفف من الشعور بألم وأسى الإنسان بشكل عام عند فقد أي عزيز وبالخصوص إذا كانت شخصية لها وجودها في المجتمع هو ظهور علامات للوفاء لهذه الشخصية في أهل بيته والمقربين له حيث كان من عادات العرب وثقافاتهم أن يحترموا ويجلّوا الشخص في ولده من إكرام وعطف وتقدير.
فما بالك بشخصية سيد الرسل محمد صلى الله عليه وآله يكفي هذه الشخصية أنها أخرجت الناس من الظلمات إلى النور ومن الضلال إلى الهدى.
قال تعالى: {هُوَ الَّذِي يُنَزِّلُ عَلَى عَبْدِهِ آيَاتٍ بَيِّنَاتٍ لِيُخْرِجَكُمْ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ وَإِنَّ اللَّهَ بِكُمْ لَرَءُوفٌ رَحِيمٌ}.
قال تعالى: {لَقَدْ مَنَّ اللَّهُ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ إِذْ بَعَثَ فِيهِمْ رَسُولًا مِنْ أَنْفُسِهِمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَإِنْ كَانُوا مِنْ قَبْلُ لَفِي ضَلَالٍ مُبِينٍ}.
فماذا أوحى الله عز وجلّ لرسوله الأكرم صلى الله عليه وآله ليطلب من الأمة على ما قام به من عمل عظيم في هدايتها؟!
أوحى إليه ألا يطلب من الأمة إلا المودة في القربة وهي عترته الطاهرة قبال هدايته لهم.
قال تعالى: {قُل لَّا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْرًا إِلَّا الْمَوَدَّةَ فِي الْقُرْبَىٰ}.
وكان رسول الله صلى الله عليه وآله يُذكّر الأمة بأهل بيته بل كان يكرر ذلك في مواقف عدة فمما ورد بتذكيره بأهل بيته.
روي في صحيح مسلم ١٨٧٣ / ١ برقم ٢٤٠٨
عن زيد بن أرقم أنه قال: قام رسول الله (صلى الله عليه وآله) يوماً فينا خطيباً بماء يدعى خُماً بين مكة والمدينة، فحمد الله تعالى وأثنى عليه، ووعظ وذكَّر، ثم قال:
"أما بعد، ألا أيها الناس، فإنّما أنا بشر يوشك أن يأتي رسول ربي فأجيب، وأنا تارك فيكم ثقلين، أولهما كتاب الله فيه الهدى والنور، فخذوا بكتاب الله واستمسكوا به"، فحث على كتاب الله ورغَّبَ فيه، ثم قال:
"وأهل بيتي، أذكِّرَكُمُ الله في أهل بيتي، أذكِّرَكُمُ الله في أهل بيتي، أذكِّرَكُمُ الله في أهل بيتي".
وورد في المعجم الكبير ج٥ / ١٨٣ / ٥٠٢٧ وكنز العمال ١٣ / ٦٤٠ / ٣٧٦١٩
عن رسول الله (صلى الله عليه وآله): "أنشدكم الله في أهل بيتي".
وفي المستدرك على الصحيحين: ٢ / ١٣١ / ٢٥٥٩ و مجمع الزوائد ج٩ / ٢٥٧ / ١٤٩٦٠.
عنه (صلى الله عليه وآله): "أوصيكم بعترتي خيرا".
فهل التزمت الأمة بوصية نبيهم في عترته؟!
ما جرى من الأمة خلاف ذلك بل نقيضه تماما مع أفضل الخلق وسيد الرسل وهو الذي أخبر قبل رحلته من هذا العالم حيث أمعن أهل الشقاق والنفاق من أمته صلى الله عليه وآله في إيذاء العترة الطاهرة من أهل بيته صلوات الله عليهم أجمعين.
ومما جرى من الإيذاء فقد لحقت بضعته الطاهرة به سريعا وكيف؟!
رحلت من هذه الدنيا مظلومة مهضومة شهيدة بعد غصب حقها.
روي عن الإمام موسى بن جعفر عليهما السلام أنه قال: "إن فاطمة عليها السلام صديقة شهيدة".
وروي في مناقب آل أبي طالب أنها عليها السلام ما زالت بعد أبيها معصبة الرأس ناحلة الجسم منهدة الركن باكية العين محترقة القلب يغشى عليها ساعة بعد ساعة، وتقول لولديها: "أين أبوكما الذي كان يكرمكما ويحملكما مرة بعد مرة؟ أين أبوكما الذي كان أشد الناس شفقة عليكما فلا يدعكما تمشيان على الأرض؟ ولا أراه يفتح هذا الباب أبدا ولا يحملكما على عاتقه كما لم يزل يفعل بكما؟".
وما جرى على بقية العترة الطاهرة كالإمام الحسن عليه السلام حتى منع من دفنه عند جده والإمام الحسين عليه السلام الشهيد بكربلاء وما جرى على أهل بيته حيث تلك الفاجعة الأليمة.
كيف لا تزداد لوعة الإنسان المؤمن مما جرى على بقية العترة وشيعتهم والتاريخ يشهد بذلك.
وهذا أيضا سبب من الأسباب لغيبة خاتم أوصياء الرسول الأعظم صلى الله عليه وآله.
وهناك سبب مهم جدا لغيبته صلوات الله عليه ذكره المرحوم المقدس الفقيه الكبير السيد عبد الأعلى السبزواري عليه الرحمة في جواب لسؤال وهو:
سؤال: هل حصلت الغَيبة الكبرى لوجود المقتضي فيها أم لوجود المانع مِن ظهوره عليه السلام؟
الجواب:
إنّ الغَيْبَةَ ليست لأجل المقتضي فيها، بل لأجل المانع من الظهور، وموانع الظهور كثيرة، يعرفها كل مَن تأمّل في أنّ خاتم الأوصياء لابدّ أن يتسلّط على جميع البشر وتتّحد الكلمة بالنسبة إليه، وهذا التسلّط والاتحاد لا يمكن إلا أن تحصل في البشر طبيعة الاتحاد ويرتقوا من حضيض التفرقة والاختلاف فيلجأون إلى ركن وثيق هو الحجة عجل الله فرجه..
فكما أنّ بعث خاتم الرسل ما كان إلا بعد استعداد البشر للانبعاث من بعثه، فكذا ظهور خاتم الأوصياء لا يكون إلا بعد استعداد البشر للاستفادة من ظهوره، وذلك لا يكون إلا بعد کمال الظلم والفساد، حتى يستغيثوا بفطرتهم إلى مظهر العدل والإحسان..
وأما إزاحة المانع عن الظهور فهو ليس من عادة الله تبارك وتعالى، بل أبى الله تعالى إلا أن يجري الأمور بأسبابها وهي سنة الله التي لن تجد لسنته تبديلا، فتدبر.
التعليق على كتاب بحار الأنوار، ج١، ص٤٠٤.
هذا مقدار من مناشئ الهمّ والأسى الذي يفتت بل فتت قلب الإنسان المؤمن وما ذلك إلا لفقد الرسول الأعظم صلى الله عليه وآله وهناك هَمّ وأسى آخر لمن هو في عصر غيبة خاتم الأوصياء خليفة رسول الله صلى الله عليه وعلى آله إلى ظهوره صلوات الله عليه.
نعم الإنسان المؤمن في عصر فقد الرسول الأعظم صلى الله عليه وآله هناك من كان يخفف عنهم لوعة الفقد وذلك بوجود خليفته ووصيه من أئمة أهل البيت صلوات الله عليهم كل في زمانه ولكن في غيبة الإمام الغائب المنتظر صلوات الله عليه حرموا من وجود من يخفف عليهم لوعة الغياب.
فإذا نظرنا إلى العبارتين الشريفتين وهما شكوى الفقد والغيبة من الدعاء المبارك تثيران في قلب الإنسان المؤمن الشعور بالولاء النابع من القلب تجاه فقد الرسول الأعظم وخلفائه صلوات الله عليهم أجمعين وغيبة القائم المؤمل صلوات الله عليه.
فنسأل الله سبحانه وتعالى أن يزيل همنا وغمنا وحزننا من الويلات التي سببها أهل الشقاق والنفاق وذلك بتعجيل الفرج بظهور صاحب العصر والزمان صلوات الله عليه أرواحنا لمقدمه الفداء.



