مائدة أمي والدهشة.. ٦

ليست الدهشة واقعًا، نعيشها، مع النص الأدبي، أو الفنون الجميلة بذاتها فقط، بعيدًا عن حياتنا الاجتماعية، أو جزئيات حياتنا الأخرى، إنها أوسع من ذلك، باتساع ضوء النهار، يعانق الشفق الأحمر في المساءات الدافئة، والصباحات الشفيفة الظل.
إذًا، هل الدهشة في النص الأدبي، والفنون الجميلة فقط، أم لها علاقة بالحياة الاجتماعية، وألوانها المختلفة الأفق والزوايا؟
الطبيعة البشرية، تحكمها المشاعر والأحاسيس، الثقافة والبيئة المحيطة، الرغبة في كل ما له نقطة اشتراك، مع الإنسان، وما يهفو إليه.
تعترينا الدهشة، أكانت نابعة عن الإعجاب الملهم، أو النفور المتعب - وأعتقد أنها تعتريك أنت كذلك - فإن حديقة غناء بالعشب الأخضر، والزهور الحمراء، ستبعث الدهشة - بلا شك - وحين نرتشف عصيرًا من الفواكه الطبيعية باردًا في جو حار، كعصير الليمون بالنعناع، سيبعث الدهشة، وحين نقرأ فعلًا دراميًا، أو نصًا شعريًا، أو كتابًا آخر، سيبعث الدهشة، كثيرة، هي الأشياء، التي ستثيرها الدهشة، النابعة من المتعة باتجاه الأشياء من حولنا، أو ما نعيشه ونلمسه حقيقة.
وقد تأتي الدهشة من خلالنا نحن، ما نعيشه في دواخلنا، ما نريده، وما لا نريده، الصراع ما بين الوهم والحقيقة، ما بين الحلم والواقع، ما بين الطيبة والسذاجة، ما بين الإشادة والإساءة، وأين ماهية الدلالة؟!
وعليه، هل تقتصر الدهشة على الأشياء الإيجابية، أم أنها، تأتي في غيرها السلبي؟
إن الدهشة، أمر يتناسب بكلتا الحالتين، ما يسر - الحالة الإيجابية - وما لا يسر - الحالة السلبية - تنتابك الدهشة، حين تفقد عزيزًا، تحزنك الدهشة بأنك لن تراه مجددًا، ستذرف الدموع الغزار عليه، ستغرقك الدهشة من تصرف ما لم تكن تتوقعه، من كلمة، أسلوب، كثيرة، هي الأشياء، التي تجعلك تعيش الدهشة بجانبك، وفي ظل عينيك، وقلبك، ولكنها الدهشة البكاء في ذاتك، أو بدموعك المتجمدة على خديك، أو الدموع المنهمرة.
إذًا، فإن الدهشة، تأتي باختلاف ألوانها، السعيدة الماتعة، والحزينة البكائية، وهذا شيء طبيعي من خلال تفاعل الذات، مع ما حولها، وتعلقها بالأشياء، وقيمتها الفعلية.
إنه في العلاقات، في الشأن الأدبي والثقافي، الفني بأوانه القوس قزح ثمة درامية الجزئية والكلية - وعلى سبيل المثال لا الحصر - العمل الدرامي حكاية لعبة "Toy Story" - وبحسب ما عرفته موسوعة ويكيبيديا - بأنه فيلم رسوم متحركة من تصميم شركة بيكسار، ومن إنتاج شركة والت ديزني عام 1995م، أول فيلم متكامل صنع بأكمله باستخدام الحاسوب، يحكي عن أندي الطفل الصغير، الذي يملك العديد من اللعب، وهي: وودي اللعبة راعي البقر المفضلة لديه، وبو راعية الغنم.
هذا الفيلم، المعني في الوهلة الأولى، حين تبصره، أو تفكر فيه، سيتضح أنه يختص بالأطفال، ولكن سرعان ما تشعر به، أنه يناسبك، وأنه ليس معنيًا بالأطفال.
كنت في مملكة البحرين منذ فترة، قبل انتشار وباء فيروس كورنا بأكثر من ستة أشهر، دخلنا السينما، وشاهدنا "Toy Story"، استمتعت جدًا به، أخذني إلى الشخصية الرئيسة فيه، وهي: وودي Woody، شخصية راعي الأبقار، الذي لا يمل من الوفاء لأصحابه، يسعى لخدمتهم، الحفاظ عليهم، إضافة لذلك، يجعلك تبحر في الابتسامة، لما يقع فيه من مواقف، كان صادقًا معهم، لذ فإن كل الألم، الذي يقع فيه، يراه بلسمًا، خرجنا ممن قاعة السينما، بعد الانتهاء من المشاهدة، لتصبح شخصية –وودي-، من الشخصيات، التي أحببتها.
لماذا أحببتها - وربما أنت تحبها؟
في داخل كل منها طفل، وفي داخل كل منهن طفلة، نحن إلى ما في ذاتنا من طفولة، وإن كبرنا، وازدحم الشيب في رأسنا، وملامح وجهنا، فإننا، نحن لها، نحن إلى لمسات أمهاتنا، ابتسامتهم، لطفهم، خوفهم علينا، فإنهم، يمنحونا الشعور بالطفل في داخلنا، وأعماق ذاتنا، ان نعيش الصدق، مع أنفسنا، مع طفولتنا البريئة، مع الثقافة والأدب، مع الفن، مع المجتمع، مع كل الأشياء، يمثل النافذة، التي تمنح خيوط الظل، يلامس التربة، لتنتعش الزهور، وتشرق بين أحضانها.
كثير من الأشياء في الحياة، تأتي مواد خام، أنت، كيف تخلق منها حياة وفيها، كالنص الأدبي، الفنون الجميلة، حياتنا الاجتماعية.
يقول الشاعر الفلسطيني محمود درويش:
أحنّ إلى خبز أمي
وقهوة أمي
ولمسة أمي
وتكبر في الطفولة
يومًا على صدر يوم
و عشق عمري لأني
إذا متّ
أخجل من دمع أمي!
هل جربت يومًا، وأنت بقربها، تقتطع الخبز العربي، مع الحليب، لتأكله، وترشفه؟
إن الدهشة، هي، والمتعة، هي، وكل شيء جميل في حياتنا، لها الصدارة فيه – درويش - يحن إلى خبز أمه، قهوتها، لمستها، دموعها، يحن لكل تفاصيلها، لأنه يراها الوجه الحقيقة للحياة.
الأم، الكيان المملوء عطفًا، حنانًا من ابتسامتها، تأتيك، مع كل ما في قلبها من ألم، من حنين، تمنحك طاقة إيجابية، تلونك من رأسك إلى أخمص قدميك، وذاتك.
خذيني
إذا عدت يومًا
وشاحًا لهدبك
وغطّي عظامي بعشب
تعمّد من طهر كعبك
وشدّي وثاقي..
بخصلة شعر
بخيط يلوّح في ذيل ثوبك..
ضعيني
إذا ما رجعت
وقودًا بتنور نارك..
وحبل غسيل على سطح دارك
لأني فقدت الوقوف
بدون صلاة نهارك
هرمت
فردّي نجوم الطفولة
حتى أشارك
صغار العصافير
درب الرجوع..
لعشّ انتظارك!
الأم نهر، لا ينضب معينه إطلاقًا، وإن فارقتنا إلى العالم الآخر، نتيجة فراق الموت، كم نحن لها، ونحن لكل من يذكرنا بأمهاتنا، فإن قلنا "أماه"، فإننا نغتسل بالغيم، تهدهد حبات المطر كل شيء، تلفنا هذه الأحرف، كالغطاء في فصل الشتاء، والبرد القارس، ليحتوينا الدفء، الآن، تنادي "أماه"، إن كانت نبضاتها، لا تزال في الحياة، أو فارقتها، ستحن لها.
للأم، التي فارقتها دنيانا، هذا الشوق.
أماه.. ما لهذا الهزار لا يطرب الأسماع تغريدًا، وشقائق النعمان في شفتيك ذابلة؟
أماه.. طفل قلبي معفر الخدين بين الثلج واللهيب.
أماه.. قبليني، وامسحي بالحب رأسي.
أماه.. جئتك حاسر الأحلام، متلحفًا بدمع عينيك، فإنك نبض الحياة.
أما.. قومي، مزقي الأكفان، وانفضي عنك غبار الموت، قاسميني الآه أمي، داويني.



