الثلاثاء 13 أكتوبر 2026
مصادريكل المصادر
اختر الصحف التي تريد أخبارها
التنبيهات
أدب ورأي

الغذاء والذكاء..

منصور الصلبوخ · القطيف اليومالسبت 18 يوليو 2020، 11:05 ص
الغذاء والذكاء..

بعد أن أشاعت المفاهيم وسط مجتمعنا حول أهمية الغذاء في حياة الإنسان، وعرفنا تأثيرات حالات النقص الغذائي لبعض الفيتامينات والأحماض الأمينية وعناصر معدنية ضرورية للجسم، بات من الممكن التوقف أمام أثر الغذاء في جوانب محددة من جسم الإنسان.
حديثنا هنا عن أثر التغذية على العقل وانعكاساتها المختلفة على الأداء الذهني والذاكرة.
تشكل حركة الطفل ونشاطه وقوامه وشهيته مظهراً من مظاهر الصحة والعافية، ويكفي أن نلقي نظرة سريعة على أحد الأطفال لنكوّن فكرة سريعة عن حالته الصحية، لكن هذا المعيار الدال على الصحة قد يتبدل في ظروف معينة لا تدل بالضرورة على المرض، بل إن المعايير الفيزيولوجية والظروف المحيطة يمكن أن تلعب دوراً مهماً في تبدل نشاط الطفل وحيويته، ولا يخفى على كل ذي بصيرة أن السلامة العقلية والعضوية تسيران جنباً إلى جنب من أجل بناء جسم سليم خالٍ من الأمراض والعاهات.
تعتبر التغذية الدعامة الأولى لصحة الطفل في سنواته الأولى، فالغذاء الكامل يوفر للجسم العناصر الغذائية التي يحتاج إليها لبناء أنسجته ونموها، ووقايته من الأمراض، وقد أثبتت الدراسات أن التغذية في السنتين الأوليين من العمر لها دور كبير على النمو العقلي والجسدي للأطفال، وأن أي نقص غذائي خلال هذه الفترة قد يؤدي إلى تأخر النمو العقلي مما يعوق الطفل عن القدرة على التعلم.
المعروف أن الأطفال الذين يتم إرضاعهم بحليب الأم يحصلون على حماية كاملة، حيث يتزودون بالأجسام المضادة، والبروتينات والخلايا المناعية، كما يحتوي حليب الأم على سكر اللاكتوز الذي ينشط نمو المخ ويزيد من حركة الأمعاء.
من المهم لأبوي كل طفل أن يعرفا العلاقة بين نوع الغذاء الذي يتناوله وبين ذكائه؛ فهي علاقة يمكن تقديرها أو قياسها خلال السنوات الأولى من عمر الطفل، شيء بالنسبة لما سيكون عليه مستوى ذكائه في المستقبل، فالذكاء الذي يتناول طاقات كالتفكير والذاكرة، قد تتأثر بالوراثة، والمحيط الذي يعيش فيه الطفل.
الغذاء مهم وفعال في عملية الذكاء والنشاط الذهني، وهو يرتبط ارتباطاً فاعلاً ومهماً بتكوين وتقوية المناعة وخلايا المخ والدماغ، وإحداث التوازن في عملية النمو العقلي.
ولكن ماذا عن هذه الأغذية وكيفية اختيارها وتأثير كل منها وما مدى ارتباطها بالعمر؟
لاشك أنه يمكن للمخ أن يصبح أكثر كفاءةً إذا ما تناول الطفل أغذية معينة تعمل كمنشط طبيعي للذاكرة وتجعله أكثر ذكاء، فالعناصر الغذائية وعلى رأسها الأحماض الدهنية والكالسيوم والبوتاسيوم ذات أهمية قصوى فهي عناصر لا يستطيع الجسم إنتاجها بسهولة، وينبغي الحرص على تناولها باعتبارها من مغذيات الذكاء.
لعل أحدث صيحة في عالم الطب الآن هي تنمية الذكاء بالغذاء، ولا يتحقق ذلك إلا بالغذاء المتوازن والمفيد للحفاظ على صحة العقل وسلامته.
وإذا اتبعنا القواعد العلمية في اختيار نوعية الطعام فسوف نقضي على الكثير من الأمراض والمشكلات الصحية لدى الأطفال من دون وصفات طبية، مثل حالات نقص الذكاء.
وللغذاء وانتقائه دور مهم في حياة الطفل، فليس الهدف هو وقايته من الأمراض، وإنما توفير حد كاف لنموه العقلي السليم.
للمحافظة على عقل سليم، لا بد من اتباع نظام غذائي صحي تتوافر فيه المعادن الضرورية للعقل والذاكرة مثل الحديد والنحاس والماغنسيوم والزنك، لأنه يساعد على تقليل التوتر والإحباط مع زيادة الإدراك البصري والسمعي، وسرعة الفهم والإدراك والتعلم.
وقد أكدت دراسة علمية أجراها الباحثون في المجلس البريطاني للأبحاث الطبية أن عادات الطفل الغذائية تؤثر بصورة كبيرة في معدل ذكائه، وقد قام الباحثون بقياس معدل الذكاء عند الطفل بتحديد مدى وجود بعض الصفات الشخصية لديه، وصنفت هذه الصفات إلى أكثر من 100 صفة أهمها الخيال والقدرة على الابتكار والتعامل مع غيره من الأطفال؛ فوجدوا أن هناك فرقًا بين الذكاء والنشاط الذهني؛ فالذكاء فطرة الله لخلقه، ويمكن تنميته بالممارسة والتدريب وكسب المهارات، ولا يوجد داخل مخ الإنسان مركز مسؤول عن الذكاء، إنما هو عبارة عن إحدى القدرات الذهنية التي تخضع لعوامل وراثية وقدرات فعلية تختلف من إنسان إلى آخر، كأن يتفوق شخص ما في مجال الأعمال الكتابية والفكرية..
ويتخذ ذكاء الإنسان شكل منحنى بياني يتصاعد منذ مولده حتى يصل إلى القمة في العشرينيات والثلاثينيات من العمر، ثم يبدأ في النزول مع التقدم في العمر.
إن الطفل يجب أن يحصل على نظام غذائي متوازن، يمتلئ بالعناصر الغذائية المفيدة لنمو مخه وتطوره، فهناك أغذية تجعل طفلك أكثر ذكاء وقدرة على الاستيعاب والفهم، ومن بينها زبدة الفول السوداني والمكسرات بأنواعها المختلفة، وهذه تحتوي على نسب كبيرة من البروتين والكالسيوم والحديد، وفيتامين E الذي يعمل كعنصر مضاد للأكسدة يحمي خلايا الأعصاب، وكذلك الدهون المسؤولة عن زيادة النمو الذهني والمهارات الإدراكية، فضلاً عن أنها تحتوي على مواد غذائية تقوي الجهاز المناعي، وبذور السمسم الغنية بالأحماض الدهنية الأساسية من نوع " أوميغا - 6" إلى جانب البروتين والكالسيوم والماغنسيوم والزنك وفيتامين B3 وفيتامين E.
يعتبر الحليب كامل الدسم الغني بالأحماض الدهنية والبروتين والكالسيوم والبوتاسيوم، وفيتامين D من بين الأغذية المفيدة لذكاء الأطفال ونمو العظام والأسنان ومساعدة الجهاز المناعي للعمل بكفاءة، فضلًا عن مسؤوليته عن تفعيل نشاط البروتينات المكملة في عملية التمثيل الغذائي للأحماض الدهنية، وكذلك احتوائه على الكوليسترول الذي يحتاجه الأطفال، خصوصاً الذين لم يتجاوزوا السنتين.
وطبياً نرى أن الكوليسترول ضروري للأطفال في هذه المرحلة لدوره المهم في بناء وتنشيط الخلايا العصبية والدماغية، وهو يساعد في عزل خلايا الدماغ ويقلل من وجود الدورات القصرية في وظائف الاتصال، كما أن الحليب وصفار البيض واللحم والخبز الكامل والحبوب؛ تحتوي على جميع فيتامينات "B" وربما لهذه الفيتامينات علاقة كبيرة بالتوازن العقلي، وأكدت معظم الدراسات العلمية فوائد مركبي الكولين والليثسين في تحسين الذاكرة، كما يسبب نقص فيتامين B12 ظهور أعراض نفسية. واضطرابات عقلية كالتهيج وضعف الذاكرة وتغيرات حسية على شكل فقر دم، وتختفي الأعراض عند حصول المريض على مقادير كافية منه.
إن قائمة الأطعمة المنشطة للذكاء، تضم السمك، لما يحتوي على نسبة عالية من الأحماض الدهنية الأساسية «أوميغا 3» اللازمة لحيوية الجهاز المناعي للطفل، وتضم هذه القائمة أيضاً اللحوم الحمراء لاحتوائها على البروتين الذي يحتاج إليه الطفل لبناء خلاياه وأنسجته، وكذلك البروتين النباتي المتمثل في البقوليات مثل الفاصوليا واللوبيا والعدس..
ونجد في هذه القائمة بعض أنواع الفاكهة التي تساعد على رفع كفاءة ذاكرة الطفل، وقدرته على جمع المعلومات، مثل «البرتقال والأناناس والبطيخ والخوخ والتفاح والعنب»، أما العنب الأصفر فهو يرفع من مهارات الطفل الحركية، بينما تحتوي الفراولة على «الفالفونويد» الذي يعمل على تحسين الذاكرة.
كما يجب تشجيع أطفالنا على تناول الخضراوات مثل «الكرنب والبروكلي والسبانخ والبقدونس وقرع العسل» بالإضافة إلى البصل والمشروم والجزر والفلفل الأحمر، فكلها تعطي المخ المزيد من القوة، باعتبارها من الأغذية الغنية بفتامين C، والبيتاكاروتين المضادة للأكسدة، التي تعمل على تكوين مناعة للحفاظ على قوة خلايا المخ، بينما تساعد الفيتامينات والمعادن على رفع قدرات عمل كل أعضاء الجسم.
إن إهمال تناول شيء من تلك الأطعمة يمكن أن يسبب اضطرابات في الذاكرة، لأن الدماغ حرم من تناول كفايته من المواد الضرورية باعتبارها من مغذيات الذكاء.
بات في حكم المؤكد علمياً أن التغذية السليمة والمتوازنة ضرورة لا غنى عنها لتحقيق النجاح المدرسي نظراً لدورها في تقوية التركيز ومضاعفة القدرات العقلية، والتأثير إيجابياً على المهارات الذهنية.
تمثل وجبة الإفطار أهمية خاصة بالنسبة للتلاميذ للاستيعاب والفهم والتحصيل الدراسي.
إن من الخطأ للطالب ألا يتناول طعاماً في الصباح، والواقع أن من أكثر الأمور تأثيراً على الصحة أن يستقبل الطلاب يومهم الدراسي بِمعدَات خاوية، لأن النتيجة الطبيعية فقر الدماغ من الدم، مما يجعل الذاكرة ضعيفة وينعكس ذلك على التحصيل المدرسي ويؤثر على درجاتهم وتفوقهم، وقد ثبت بالإحصاءات الدقيقة أن الطالب الذي تناول إفطاره صباحاً أقدر على تذكر المعلومات واستيعاب الدروس من ذاك الذي جاء المدرسة من غير فطور، ومن الضروري أن تكون وجبة الصباح منوعة، وغنية بالقيمة الغذائية.
إذن.. فحاجة الأولاد إلى التغذية الكاملة حاجة أساسية جداً، ولا يمكن التغاضي عنها إطلاقاً، إذا أردنا لأجيالنا أن تنمو بطاقة ذهنية وجسدية إلى أبعد مدى ممكن، مستعيناً على ذلك بما تزود به من فطور صباحي غني غذائياً وصحياً.
الطفل الذي يعاني من نقصً في نسبة الحديد في الجسم قد يصاب بنقص الذكاء، وهناك علاقة قوية بين انخفاض مستوى الهيموجلوبين وتدني قدرة الفرد على التفكير أو مستوى الذكاء.
وهناك آليتان محتملتان قد توضحان سبب ارتباط وظيفة الدماغ بمستوى الحديد في الدم، فمن المحتمل أن يكون انخفاض مستوى الهيموجلوبين مرتبطًا بنقص إمدادات الأكسجين الذاهبة إلى الدماغ، مما يعرقل عمله كما ينبغي.
كذلك فإن هناك عددًا من الأنزيمات التي تسيطر على نقل الإشارات في الدماغ تعتمد أيضًا على الحديد كي تعمل بشكل فعال لذلك فإن الأطفال الذين يعانون نقص الحديد يجب عليهم أن يتناولوا المزيد من الخضر الورقية واللحوم الطرية والحبوب مثل الفاصوليا والفول والعدس، والفواكه الجافة مثل الزبيب والتين والمشمش والبرقوق، وتحتوي هذه المواد على مصدر جيد لفيتامين C، وإذا ما أخذت في كل وجبة غذاء فإنها تعزز امتصاص الحديد في الجسم.
لقد توصل خبراء يابانيون إلى أن الأسماك من الأطعمة المفيدة للغاية إذ يحتوي السمك على مادة (DHAa) التي تجعل الشخص أكثر ذكاء، كما تعمل على تنشيط نقاط العصب التي تنقل نبضات الذاكرة في المخ وتحمي البصر، وتمنع الجلطات الدموية.
تتركز اهتمامات بعض الأطباء المتخصصين في علاج الاضطرابات العقلية كالتخلف العقلي وتحسين الذاكرة في استخدام عناصر غذائية ذات فعالية على الجهاز العصبي.
أكثر الأغذية التي يحبها الأطفال هي الوجبات السريعة والخفيفة، ورقائق البطاطا المقرمشة، والبسكويت، والحلويات، والمشروبات الغازية، إن إقبال الصغار على مثل هذه النوعية من الأغذية سيؤدي فعلاً إلى إضعاف الجهاز المناعي وجعله أكثر عرضة للإصابة بالأمراض.
كيف نربي أو نوجه أولادنا إلى السلوك الغذائي الصحيح، وكل ما حولنا أولاً وأخيراً يعج بالخطأ..!
إن أماً في صحة جيدة يجب أن تعكس ذلك على تنشئة وصحة أولادها، هي الأم التي لا تتوانى عن بذل ما في وسعها لتنصرف إلى العناية بأطفالها ورعايتهم مما يوفر الأمن والطمأنينة وتحسين وضع الأسرة، ولأن بيتاً فيه امرأة محنكة لا يمكن أن يرهن أمنه الغذائي في يد أي قوة أجنبية!
وحتى يصبح طفلكِ قادراً على الفهم والاستيعاب ومن ثم يتمتع بالذكاء، لا بد من الاهتمام بنوعية الأغذية التي يتناولها، لأن السلوك الغذائي المتوازن لا يساعد فقط على بقاء الطفل بصحة جيدة، بل يعزز أيضاً مقاومته للأمراض ووقايته منها فيما بعد.
إن السعادة العائلية يمكن أن تتوقف مباشرة على معرفة قضايا التغذية واهتمامها بها، ومع أن سيدة البيت قد تعرف فائدة الطبخ، فعليها أن تدرك أنها الحارس المسلح جيداً للسهر
على مقدرات سكان البيت كله، وذلك بالمحافظة على صحتهم، ما دامت تملك بأطراف أصابعها أصول التغذية الصحية.
عزيزتنا ربة المنزل يمكنكِ اختيار تشكيلة يومية من أجمل وأحلى الأكلات الصحية من فواكه وخضراوات وأغذية طازجة، وتعويد أطفالكِ على تناولها، إنها هدية من الصحة.. عجباً وهل تهدى الصحة؟! إن كان ذلك فما أغلاها وأعظمها من هدية..! ولكن.. الشطارة في المواظبة على هذا السلوك الغذائي الرائع.
هناك أمهات من نوع آخر، ماذا قدمت لأطفالها؟ لا شيء، لأنها لا تعرف شيئاً، ماذا تعمل؟ ألا توجد ثقافة ومعرفة تغذوية لترتقي بتصرفاتها لمواجهة المواقف؟
لم تعد معارفنا اليوم عن علاقة الغذاء بالصحة والمرض مقتصرة على معارف مبسطة من كون الغذاء هو عنصر النمو والطاقة، إن المعارف قد زادت حتى تداخلت بصورة تجعل المتأمل في حيرة من أمره، علماء الغذاء والتغذية يقولون نحن في حاجة إلى تربية الأجيال على الصحيح فيما يأكلون ويشربون، نحن في حاجة إلى توعية غذائية صادقة.. في حاجة إلى أجيال صحيحة الفكر سليمة الصحة.
إن الصحة بمفهومها الحديث، أكثر من مجرد خلوّ الإنسان من المرض، فهي كذلك سلامة في العقل والجسم، وتفاعل مع العائلة والمجتمع والوطن، ومتعة نزيهة في هذه الدنيا، وهي بالتالي تزيد من قدرة الإنسان على العطاء، ومن إمكاناته على تحقيق ذاته في الحياة وفي السعادة الإنسانية عامة.
ما أحلى الأطفال وهم يلعبون ويتراكضون بكل حرية فلا خوف عليهم من ضربة شمس قوية، ولا قلق من نزلة معوية، فالفاكهة والخضراوات واللحوم الطازجة الغنية بالعناصر المغذية، هي فصل من فصول النشاط والحيوية.
نعم.. إننا في عصر غدا فيه الغذاء الصحي هاجساً يطارد الكثير من الآباء والأمهات...
أبناؤهم في حاجة إلى المحافظة على صحتهم.. وفي سلوكهم الغذائي السليم يعني صحة جيدة ويعني نمواً بدنياً وعقلياً سليماً، ويساعدهم على التركيز وتمدهم بالطاقة اللازمة لأداء واجباتهم، فقديماً قالوا "العقل السليم في الجسم السليم".
منصور الصلبوخ
اختصاصي تغذية وملوثات