اختصار الكاتب

وحدثني صاحبي عن الاختصار
فقلت له وقد أثارني سؤاله:
في الغالب؛ الاختصار مطلوبٌ محبوب، وأشقُ الكتابات ما يكونُ في القصيرِ من العبارات، والشريفِ من الاشارات، لا في الجملِ المطولات؛ فخيرُ الكلامِ ما قلَّ ودلَّ..
ولكن بعض الاختصارات أحياناً لها عواقبها غير المحمودة..
فهناك من يقرأ بين السطورِ بسوداوية القلب المريض او قد يسيء الظنَ أو ينغلقُ عليه الفهم؛ فيكونُ السببُ الأولُ هو الاختصار والاقتضاب، أما هواجسُ القارئِ وظنونُه وقتامْ أفكارهِ، فلا سلطةَ للكاتبِ عليها.
وغالباً عندما أكتب فأنا أحاولُ التوفيقَ بين الآراء، وأسعى للوسطيةِ والاعتدالِ والوضوحِ وعدمِ الإبهام والإيهام وحسنِ التقديرِ، ومراعاةِ مقتضى الحال، واحترامِ القراء، وعدمِ التصادم مع الآخرين، ومداراةِ المشاعر والأذواق. لذلك قلّما يناكفني أحدٌ، أو يعترضُ عليَّ معترض، لأني أنثرُ الجمالَ وأدعُ الحبَّ يصنعُ فعلَه الساحر..
الكتابة فنٌ إبداعيٌ رساليٌ عظيم، والكاتبُ مأمون على ما يكتب، مسؤول عمّا يخط؛ فالأمانة أولا وآخرا، أما إذا كانَ قاصراً في فن، أو فقيراً في علمٍ فلا يَحْشُرنَّ فيه أنفه، ولا يقربنَّ من عميقِ عُبابِه، فحسبهُ الساحلُ وكفى.
وذلك خلافاً لبعض طالبي الشهرة والانتشار -خصوصاً في هذا الزمن- فإنّ سلاحَه التصادمُ وعدمُ الاكتراث بالمشاعر وخلطُ الاوراق، وحشرُ السقيمِ بالسليم، ودسُ السمِّ في العسل، والكيلُ بمكيالين، وعدمُ الإنصافِ، والاعتمادْ على المغالطةِ والمراوغةِ، والبعدُ عن المنطق، حتى أنّه ليسيء لفئامٍ من الناسِ، بل لأمةٍ من الأمم..
ثم يقفُ على التلةِ متفرجاً لحجم ما أفسدَ وأزعج، وهو لا يراهُ إلاّ صلاحاً وإصلاحاً..
شهرةُ هذا -إذا طالها- شهرةٌ جوفاءَ شوهاء، برائحةٍ عفنةٍ، وسوءِ خاتمةٍ، ولا يعلم ماذا يخبئ له الزبدُ الذي خَلّفه، والرغاءُ الذي أحدثَه والغبارُ النتنُ الذي أزكمَ به الأنوف..
(فَأَمَّا الزَّبَدُ فَيَذْهَبُ جُفَاءً ۖ وَأَمَّا مَا يَنْفَعُ النَّاسَ فَيَمْكُثُ فِي الْأَرْضِ)
عزيزي..
عندما اكتبُ نصاً أضع له أهدافاً..
فأعمل جاهداً على تحقيقها.
أطيلُ طالما هدفي يطلب ذلك.
واختصرُ عندما ابتعدُ عن هدفي المنشود.
واهمّشُ واضيقُ الخناقَ على شيء أريد القارئَ أن يتحاشَاه ويتلاشَاه..
مستعيناً بذكاء القارئ، ومحترماً لعقليته؛ مهما كانت مساراتها المتباينة.
فأسلوبُ الكاتب، وتدفقُ أفكاره، والتهابُ مشاعرهِ، وارتقاءُ مخيّلته، وعلوُ همتهِ، هي ما يرسم له الفضاء فيحلّق ما شاء له الطيران، ويطيرُ ما أعانته أجنحته، إلى أن يعود إلى مطارهِ وعشه بسلام.
وقد يحْكُمُ فلانٌ على مقالةٍ بأن فيها إطالة؛ ولكنّ غيره قد يقول: لو لم يُطلْ لم أصل للمطالب، ولو أسهب لكنت امتلأتُ من الانتشاء.
ذائقةُ الكاتبِ وأدواتُه هي ما يحقق له النجاح في إيصال أفكاره، وتحريكِ مشاعر القراء، وإنارة عقولهم، وإلهاب مشاعرهم؛ وإلاّ فلا خيرَ فيما كتب، ولا قيمة لما بعثر من حروف.
عندما أكتب، فأنا كالرسام يرسم لوحة إبداعية يأنسُ بظاهرها، ويستبطنُ جمالها، ويستشعرُ ألوانها، ويهندسُ فضاءاتها..
كما أني أستمتع برسمها استمتاع محتسي القهوة تعجبه الرشفةُ تتلو الرشفة حتى تكون الثمالة على ثغره ألذ وأعذب الرشفات.
وانا أزعم ان متأمل اللوحة بعدها لن يُعدَمَ من استمتاعٍ في ما كنت مستمتعا به، ومن إشراق كما كنت مستشرقا، ومن انتشاءٍ عذبٍ إن كنتُ سكبتُ عناصر اللذة وسبكت نثار المتعة.
فيا أيها القارئ الحصيف لا تعجل في اقتطاف ثمرة ما تقرأ، واصبر -فخير الأمور أحمزها- حتى تجني شعلة العلم وجذوة الأدب أو رحيق الشعر، فهي من لباب القلب وعصارة الروح وشهد اللسان..
"فَلْيَنْظُرِ الْإِنْسَانُ إِلَىٰ طَعَامِهِ" وليستمرئ النص كما يُستمرؤ الطعامُ، ولا يُنَالُ ذلك إلا بالتأملِ والاستكناهِ؛ ليستلذ بفاكهةِ البستانِ، ويستعذبَ برحيقِ الازهارِ والريحان، و"القلوبُ أوعيةٌ وخيرُها أوعَاها".
ختاماً، أعلمُ أنّي لم أوفِ حق السؤالُ، فهذا من خللِ الاختصار وزللِ الاختزال، وعلى يقينٍ -وأنا أقلْ من خط بالقلم حظا- بأن الوقت لم يحن بعد لمثلي أن اتكلم في صنعة الكتابة؛ وإنما هي شقشقة مهموم ونفثة مكلوم.
أحمد ربي أنك قرأتني لهذه النقطة!
فيا لغرابةِ هذا الزمن بأهله المتعجلين..
فبالله أخبرني ما يصنعُ الناظمُ الخبيرُ لمن يريد العلمَ الغزيرَ الوفيرَ في الوعاءِ الصغير..



