الثلاثاء 13 أكتوبر 2026
مصادريكل المصادر
اختر الصحف التي تريد أخبارها
التنبيهات
أدب ورأي

وداعًا يا ابن اللاذقية

عبدالعظيم شلي · القطيف اليومالسبت 1 مايو 2021، 11:42 م
وداعًا يا ابن اللاذقية

قادمًا من بلاد الشام جاء إلينا، مختصًا في اللغة الإنجليزية، حط رحله في مدينة رأس تنورة، وعمل مدرسًا في إحدى مدارسها للمرحلة المتوسطة الوقت يشير لعام 1995م، وما أن طاب له المقام قليلًا مع أسرته، يمم وجهه صوب المجتمع التشكيلي والوسط الثقافي بالمنطقة الشرقية، من النادي الأدبي إلى جمعية الثقافة والفنون، وصولًا إلى جماعة الفن التشكيلي بالقطيف، أمكنة فنية ومنابر ثقافية وجد ضالته فيها، ولم يعد غريبًا أصبح حضوره المكثّف مألوفًا، توطدت علاقته بالفنانين والتشكيليين والكُتّاب والصحفيين، فتعرّف على كم هائل من الأسماء من كلا الجنسين، تبادل معهم وجهات النظر حول اللون والحرف.
وسطر مداده في الكتابة عن كل ما اطلع عليه من فعاليات أدبية وأنشطة ومعارض، وتسيد منصات النقد
في كثير من المعارض التشكيلية، شفاهة أو عبر مقالة في صحيفة اليوم وكذا الصحف السورية، التي لم تنقطع كتاباته لها برغم البعد عن الديار، لم يكن وافدًا كحال غيره إنما حضوره المتواتر وحرصه الدائم على أي تجمع في المنطقة، وتعنيه بصفة شخصية جعلت منه أخًا مقربًا من الجميع.
كم حوار فني جمعه مع كاتب السطور على منصات النقد ضمن معارض جماعة الفن التشكيلي بالقطيف، تارة بالتوجيه والتقدير والاختلاف، والإشادة، التواريخ والصور والحضور شواهد.
طوال ربع قرن لم يغب حضوره عن أي فعالية صغر حجمها أو كبر بل وثّقها حسب رؤياه، كم تجادل مع الكثيرين والكثيرات من أهل الفن التشكيلي، تارة بالصدام وتارة بالقبول على مضض، شخصيته لا تعرف المهادنة ولا المجاملة، ما يؤمن به من آراء حسب ثقافته الصارمة من نهج واقعي ورؤية ذات هدف ومغزى وحسن اشتغال كلاسيكي، وما دون ذلك يراه شططًا، ملتزم بخط معين ودافع عنه بضراوة وبنفس طويل وبصوت منفعل، رأى الأشياء الفنية بنظرة أحادية لم تتغير منذ عرفه الجميع، إيمانه بالحداثة التشكيلية محدد ومؤطر ضمن قوالب معينة، عنصر "الفيگرز" لابد أن يكون حاضرًا في اللوحة، ويرى أن العمل الفني قوامه حسن توظيف الشخوص أو الكائنات الحية، فيما يرى التجريد اللوني وخصوصًا الناتج عن العفوية أو التلقائية، مجرد عبث، وصنّفه ضمن العمل التزيّني ليس إلا، واعتبره جزءًا من أثاث الديكور، لا يرقى لمصاف اللوحة المعتبرة حسب وصفه في كثير من كتاباته، وهاجم الفنانات والفنانين وجهًا لوجه الذين ينقلون من الصور الفوتوغرافية الجاهزة، مطالبًا إياهم بخلق تكوين العمل الفني من الألف إلى الياء، ليكون عملهم من صنع أناملهم وذائقتهم الفنية.
شخصيته أصبحت جزءًا من ذاكرة تلك الفعاليات الثقافية والتشكيلية بغض النظر عن وجهات الاختلاف والاتفاق التي أعجبت البعض ونفر منها ٱخرون، ظل وفيًا للقرب من الجميع يراضيهم بالكلمة الطيبة وبحالة ود وفي ذات الوقت متمسكًا بآرائه التي لم يحد عنها، واعتبره البعض صاحب نظرة تقليدية، لكن ثقافته في الشعر والرواية وشيء من السينما والدراما مكّنته من فرض آرائه، التمس الجُلّاس والإخوان تفهمًا وتقديرًا لقناعاته الشخصية. وأشير إلى شخصه الكريم بصفته ناقدًا مثابرًا يقدر العمل الفني حتى لو لم يعجبه.
سرد لنا علاقاته مع الوسط التشكيلي السوري وخصوصًا مع كبار الفنانين وله حكايات وعلاقات مع بعضهم وعلى رأسهم الفنان الكبير فاتح المدرس والفنان عيسى بهجان، الذي كان مواظبًا على زيارته في دمشق. وكذا فناني مدينة اللاذقية.
نقل صورًا ومشاهد ثقافية من بلاد الشام طوال اجتماعاتنا في أربعائية السليمان مع نخبة من فناني المنطقة الشرقية، التي استمرت قرابة عقد ونصف العقد، من خلال أحاديثه طاف بنا في ربوع الشام.
وكم كان نبيلًا لوقفته واحتفائه حينما حلت جماعة الفن التشكيلي وجماعة الخط والتصوير الفوتوغرافي بالقطيف في تقديم عروضها بالمدن السورية، فقد تصدى للجلسات النقدية بمصاحبة أساتذة جامعات ونقاد سوريين، وعرف الحضور هناك بهذه الوجوه القطيفية الواعدة عام 2000، فكل تحرك وقف خلفه بهمة ونشاط ووثّق هذا الحضور الفني بإسهاب في صحيفة تشرين السورية.
رجل اكتسب احترام الجميع وتقديره. وحينما حلت لعنة كورونا على العالم بداية سنة 2020، أصيب بمتاعب صحية ليس من الوباء ذاته، بل من علل جسدية، دخل على إثرها المستشفى أكثر من مرة، ينازع المرض أيامًا وليالي، وبكل أسف المقربون منه قليلون، وما بين خروج وطلوع، وتعافٍ وتغلُّب على بقايا المرض الذي أنهك جسده، فقد كثيرًا من وزنه ودب فيه الهزال وعلامات الضعف كانت بادية على محياه، الشحوب عنوان قسوة الحياة، عانى ما عانى وحيدًا في منزله برأس تنورة إلى أن تمكّن من قطع تذكرة سفر والعودة إلى وطنه بلا رجعة، ذهب من دون وداع من المعارف والأصدقاء بسبب الأجواء الوبائية.
حينما وصل زار على الفور قبر والدته التي وافتها المنية وهو بعيد عنها، ونعاها أثناء مرضه، عاش حالة البهجة والحزن بمشاعر مختلطة، تحيط الأقارب والأحباب، عاد إلى وطنه ولم ينقطع تواصله مع كثير ممن عرفهم في وطنه الثاني السعودية وبالأخص في المنطقة الشرقية. تراسل عبر الأثير مستمر طوال عام، وكأنه لم يفارق الصحب.
مساء هذا اليوم وعند الساعة التاسعة ورد خبر رحيله، عبر صورة نعي تفصيلية أرسلها أحد الأصدقاء وانتشرت في قروباتنا الفنية؛ (بإيمان ورضا وتسليم، ننعي إليكم وفاة فقيدنا الغالي المرحوم المربي الحاج يوسف إسماعيل شغري، انتقل إلى رحمته تعالى عن عمر ٦٦ عامًا، نحتسبه من الصالحين، وسيشيّع جثمانه الطاهر يوم الأحد ٢٠ رمضان الموافق ٢ أيار ٢٠٢١ في مقبرة الروضة). بعد تداول صورة النعي تحولت القروبات الفنية بإرسال التعازي والرحمات إلى روح إنسان سكن ذاكرة كل من عرفه.
وبينما أدون هذه السطور جاءني اتصال من الأخ العزيز الفنان عبدالرحمن السليمان كل يواسي الآخر لرحيل أبو باسل المفاجئ واسترسلنا في تذكر مآثر الرجل الذي جمعتنا معه حلو الجلسات وذقنا معه أجمل اللقاءات وتقاسمنا معه الملح والزاد في رحاب أربعائية السليمان وفي أمكنة أخرى.
في الأيام الأخيرة كان الأخ عبدالرحمن على تواصل معه، وقبل ثلاثة أيام أرسل له رسالة ولم يجبه كعادته، ولم يدر أن أبا باسل كان يرقد في المستشفى يعد ساعات عمره الأخيرة! وفي ذات اللحظة أرسل لي الأخ سعيد الجيراني كلمات بقلم يوسف شغري:
"العمر.. وأنا..
مضى العمر سريعًا وتتالت السنون.. وكأن يوم مولدي كان أمس.. ففي السادس من شهر كانون الثاني العام 1955، أسرع والدي إسماعيل محمد شغري ليستدعي الداية العربية لتسحبني من رحم أمي وأفتح عيني على الخضرة الممتدة حول بيتنا الذي كان في منزل متواضع في مدرسة بوقا الزراعية حيث كان والدي موظفًا هناك.. المكان غني بالأشجار الخضرة التي تحيط بنا من كل جانب.. وأسرع والدي فرحًا بالمولود الجديد وسماني يوسف، حيث كنت الولد الثاني لتلك الأسرة البسيطة وقد سبقني أخي محمد (رحمه الله) بسنة ونصف السنة تقريبًا.. وهكذا درجت في المروج تحت سماء زرقاء ملبّدة بالغيوم حيث كنا في وسط الشتاء.. واليوم أستعيد ذكرى ذلك اليوم وتحتفل أسرتي الصغيرة المكونة من زوجتي وابنتي هنا في اللاذقية مسقط رأسي بعد ما يزيد على نصف قرن من الزمان.. الحمد لله الذي أعانني على العودة إلى مسقط رأسي لأتذكر مقطعًا للشاعر محمود درويش:
وأبي قال مرة
من ليس له موضع قبر من الأرض
ما له وطن
ونهاني عن السفر.. يوسف شغري".
بهذه الكلمات التي استشعرت الرحيل
لا نملك إلا أن نقول
وداعًا يا أبا باسل
رحلت عنا وفي القلب حسرة وشعور بالحزن والأسى، ارقد بسلام يا أبا باسل فقد ضمك تراب وطنك. سلام على روحك الأبيّة.