صور معهم

كان أبي يأخذني إلى الدور الرابع من بيتنا القديم.
وهناك تنتصف لحظة لها جناحان!
فعلى يساري تتوهج غابة النخل ريشًا أخضر.
وعلى اليمين تنبسط زرقة الخليج، لازوردية تتماوج في عيني الطفلة، بتشكيلات مثيرة من أجنحة النوارس البيضاء، وشباك الصيادين، وحوريات البحر.
استكمالًا لبناء الصورة الأسطورية في مخيلتي عن عالم البحر، بلآلئه وأسماكه وجنياته، بسفنه وصياديه وغواصيه، طفقت أرسم السؤال ملحاحًا في صدر أبي.. عن البحرين.. فيشير بيده الساطعة.. إنها هناك.
ويضيف وهو يحملني على كتفه:
بإمكانك أن تراها، بمجرد أن تتبع خط سير السفن الشراعية، المحملة بالتمر والموز واللوز والليمون، وهي تمخر عباب البحر إلى المنامة.
سألت أبي ذات مرة:
ألم تذهب إلى البحرين؟
فأجابني: بلى.. لقد زرتها بقصد العلاج في مستشفى الإرسالية الأمريكي!! وقد قضى فيها شهرًا أو يزيد، كان خلالها ممتلئًا بصور غريبة عن سياقه الاجتماعي، لكنها مدهشة.
فهناك وجد الناس يرتدون أزياء (عولمية) بهيئة لم يألفها، ويتكلمون بألسن مختلفة، حتى أن الاقتراض اللغوي من الهندية والفارسية والإنجليزية، كاد يؤثر على فصاحة أبنائها العربية.
الطرق هناك نظيفة، والأسواق منظمة، والوجوه تفيض بالحيوية والتحدي، فالناس معظمهم متعلمون، أصحاب هوايات، ورياضات، يقرأون ويلعبون، يمتطون الحمير، و(حصان إبليس)، ويركبون السيارات!
يجدون في أوقات الجد، ويهزلون في أوقات الهزل.
..يومًا بعد يوم، وسنةً وراء سنة، كان اسم البحرين يكبر في رأسي، ويمتلئ بها وجداني، وأنا أنصت إلى الحكايا عنها، في البيت والسوق والمقهى، حتى استجد بعد ذلك، عامل له الأثر الحاسم في بناء الصورة وتفكيك المخيلة.
إنه الصوت الآتي عبر المذياع، وهو يحمل فخامة الأداء في صوت إبراهيم كانو وأشعار إبراهيم العريّض، وأحاديث محمد جابر الأنصاري، وآراء حسن جواد الجشي.
إذن.. فالبحرين على عتبة الاستقلال الوطني.
وهنا قررت اختراق هذا العالم المتخيل، وكنت أتخطى السابعة عشر.. راكبًا السفينة من ميناء الخبر، في منتصف نهار قائض، لأقضي ساعات أربع بين أقفاص الدجاج، وقلات التمر، مع مجموعة من المسافرين، بينهم فلاحون عجزة من القطيف، وشباب من عمال شركة أرامكو، وفد هؤلاء وغيرهم على البحرين لقضاء حاجاتهم أو إجازاتهم الصيفية أو الأسبوعية، بين أقاربهم أو معارفهم في هذه الجزيرة السحرية العجيبة.
غير أن الرحلة مع بكارتها لم تكن رومانسية!
فحين وصلنا ميناء المنامة، لم تأخذنا السفن الشراعية الصغيرة إلى (الفرضة) كما فعل الزمان قبل قرن ب(أمين الريحاني) الشاعر والأديب والرحالة.. لم أجد تلك النجوم الرقراقة المنعكسة على صفحة البحر، التي وصفها في كتابه (ملوك العرب) ولم أر الحمير والأتن التي كانت تملأ الطرق والأسواق.
لقد وجدتني وكأنني في القطيف!
فسوق السمك في المنامة هو سوق السمك في حي الشريعة، وفلاحو جد حفص هم فلاحو القديح ونخل سترة هو نخل أم الحمام، وعين عذاري هي عين داروش وعمال المحرق هم عمال الدمام، وشارع الشيخ عبدالله هو سوق الصكة.
.. إذن ما الذي استلفت نظري.
وكان ذلك في صيف سنة 1971م.
إنه سينما أوال، ونادي العروبة، والمكتبات، وأسرة الأدباء، والكتاب، وتلك الكوكبة المشرقة بالحيوية والإبداع. علوي الهاشمي، وعلي عبدالله خليفة، وقاسم حداد، ومحمد عبدالملك، ومحمد الماجد.
كان هؤلاء هم شعراء وقصاصو الموجة الجديدة، يحتلون موقعًا جيليًا واقعيًا حداثيًا، أشب من جيل حسن جواد الجشي، ومحمد جابر الأنصاري وعبدالله الشيخ جعفر القديحي وغازي القصيبي وعبدالرحمن رفيع.. بينما كان إبراهيم العريّض يحتل موقعه الرومانسي والانطباعي مجددًا وحده في مجال الشعر والدراما والنقد.
هكذا وجدته وأنا أتردد عليه ضحى كل يوم في متجر أحد أصدقائه في شارع الشيخ عبدالله، محاطًا بهالة أسطورية.
لما لا؟ّ!
وهو المولود في الهند من أبوين بحرانيين، وقد فقد أمه رضيعًا، دون أن يتقن نطق كلمة عربية، إذ تولت خادمة هندية تربيته، بينما كان والده تاجر اللؤلؤ منهمكًا في بيع لآلئ الخليج الطبيعية الغالية، لتتدلى على صدور زوجات مهراجات الهند، وأميرات ممالك أوروبا قبل كسادها.
وهكذا حتى استقر المقام بإبراهيم العريّض مدرسًا في إحدى مدارس البحرين الأهلية، وهو في سن العشرين لينفض عن رأسه غبار الانقطاع اللغوي، فيصدر ديوانه الأول (الذكرى) سنة 1350هجرية بداية الثلاثينات الميلادية، وإذا بقصائده مزيج لتنوع تحصيله الثقافي واللغوي، آخذًا من الإنجليز محتلي الهند والبحرين رومانسية شعرائهم، ومن الهنود أساطيرهم، ومن الفرس رباعيات خيامهم، ومن العرب جزالتهم، مزاوجًا بين هذه التأثيرات في تجربته الشعرية، بين التأمل الكوني، والحس الجمالي، والتعبير اللغوي.
فهل كان إبراهيم العريّض بدعًا بين الرومانسيين العرب؟
أحسب أنه كذلك.
لأنه انطوى على معاناة الرومانسي الحقيقي، الهارب من وطأة الواقع الأليم في طفولته، والغربة النفسية والاجتماعية والثقافية في صباه وشبابه.. إلى التأمل الذاتي في الحياة والكون، تأملًا قاده إلى إعداد تقويم فلكي بديع، مكنّه من التنقل الدقيق من التقويم الميلادي إلى التقويم الهجري، إضافةً إلى تملكه ثقافة موسوعية راوحت بين التراث والمعاصرة، فيخص الشعر بدراسات نقدية جمالية أسلوبية مبكرة، تجلت في كتابه (الأساليب الشعرية) ودراسته اللافتة عن فن المتنبي. متجاوزًا بقصائده التأملية، ودراساته النقدية، سياق مجتمعه الثقافي التقليدي، مقاربًا المسرح الشعري – منتصف الثلاثينات – بالاستدعاء التاريخي في ديوانه (وامعتصماه) والحس القومي بعد نكبة العرب الأولى نهاية الأربعينات في ديوانه (أرض الشهداء).
..



