نتسامح لنتصافح

مِن أهم المقومات التي يتحقق بها الأمن المجتمعي التصالح والتسامح بين كياناته المختلفة الأرحام الجيران الخلطاء الأزواج والمذاهب والديانات وعند التعاملات التجارية ومتعلقات الحياة العامة والتأقلم مع المُحترم من العادات أما إن خلا المجتمع من هذه وتلك وتحول إلى مجموعات حمقاء متناحرة ورفعت شعارات التحزب الطائفي والمذهبي وكثرت النزاعات والأخذ بالثأر وقاطعت الأقارب بعضها "وصارت عقاربًا".
نتحارب على البسيط من أمورنا وقضايانا في المحاكم تصدر فيها أحكام تعقبها أوامر تنفيذ وقتها تُزرع الكراهية في الصدور والأحقاد في القلوب وتزيد الفرقة وأشدها ضراوة الأقربون، عندها يختل التوازن الأمني ولا نرضى وقتها بالعدالة فيسود الخوف وتعم الفوضى.
وحتى نتعايش ونتحاشى وقوع ما نكرهه ويفرقنا علينا: (أولًا) أن نتغاضى عن بعض حقوقنا المالية والمعنوية وما بسببه تخلق العداوة ونرتفع بأخلاقنا ونترك مساحة محفوفة بالورود واجهتها بيضاء نكتب فيها عناوين المحبة والتوافق على ما كنا عليه مختلفين.
(ثانيًا) إن النفس لتسعد برؤية الأبوين فهما روضة جنان كلما كبرا وأينما حلا. ما أجمل الجار أن تكون أولوية مشاعره وأحاسيسه آلامًا واحتياجات جاره ونسيان هفواته واشتياق الرحم إلى رحمه وتقديم ما يلزمه دون سؤاله. حب الزوجين المتبادل يخلق جوًا أسريًا جنائنيًا يرتع فيه الأولاد. وما أقدس عمل أو مال يقدمه أحدنا لمجتمعه دون مَنٍ منه أو مللٍ وجضر. كم يساوي تجمع الأصدقاء في مجلس يتبادلون فيه أطراف حديث مفيد وتقبل الرأي.
(ثالثًا) ما نراه اليوم من البعض أو نسمعه عنهم ليدمي القلوب؛ ولد لا يسأل عن حال أبويه المقعدين في بيتهما القديم، ابن أخ لا يحترم عمه ويعتبره بعيدًا عنه ولا كأنه بمنزلة أبيه، وخال لا يعرف أبناء أخته التي نسيها لعقود، إخوة يتنازعون على تركة والدهم أو خلاف يتفاقم بينهم العداء حتى لا يشارك بعضهم في عزاء من يموت وجار قاطَع جاره على برميل قمامة نقله الهواء إلى بابه، امرأة تستغيث من زوجها الظالم ولا من مغيث وزوج كلما قدّم لزوجته لا يرضيها منه شيء ولا هو من نكدها مستريح.
(رابعًا) لماذا كل هذا ونحن ندين بالإسلام دين المحبة والتسامح والسلام؟ هل بعنا هويتنا الدينية والأخلاقية أم تنازلنا عنها أو راقت لنا الدنيا فركبنا سفينتها وابتعدنا عن مبادئنا وضيّعنا قيمنا؟ ألا يجدر بنا كمجتمع أن ننتبه من نومة الغافلين ونصلح ما أفسدنا قبل أن تَفسِد أجيال آتية بعدنا؟
(خامسًا) من له أبوان أو أحدهما عليه وجوبًا أن يعرض عن عقوقهما إلى برهما، ويرعاهما ويتفقد حاجاتهما يبذل قصارى جهده في توفير الراحة لهما، يؤدي دينًا لهما قبل أن يحاسب عليه في آخرته، خلاف الجيران على شيء بسيط تنشأ منه صراعات تصل إلى عداوات، لنتحمل بعضنا وننهي ما بيننا بالتفاهم والود والاحترام الأرحام والأحباب من أخطأ فيهم وجاء ذراعًا يعتذر، على الآخر أن يسعى إليه باعًا ويقبل عذره وكأن شيئًا لم يكن ويتفاهم معه على ما بقي، الزوج يراعي زوجته الضعيفة وكما ليس له ولاية على معتقدها أيضًا لا يحق له التسلط على أموالها ويكون إمساكه لها بالمعروف وعليها في المقابل ألا تدع زوجها تقع عينه أو تسمع أذنه منها ما يكره تقنع بالقليل وتقبل اليسير تواسيه في مِحَنه، تقدر ظروفه يتناسى كل منهما لمم الآخر وما أمكن على الإخوان والأرحام ألا يدققوا الحسابات بينهم خصوصًا إذا حضروا قسمة الميراث حتى يُقسم بسهولة ويأخذ الكل حقه لا يتحول إلى نزاع أو يحبسه الوصي أو بعضهم وكأنه ماله الخاص.
تعاملنا مع الآخرين وفي مقدمتهم الشركاء يجب أن يكون بإخلاص وحسن نية وطيبة قلب وحلو كلام. من أدرك منا الصباح لا يضمن المساء ومَن أمسى لعله لا يصبح نحن هكذا دون إنذار أو تحديد أعمار نرى الجنائر تترى كل يوم تباعًا. إلى أين بها ذاهبون وكم لنا بعدهم من بقاء؟
يقول الشاعر:
وإذا حملتَ إلى القبور جنازةً
فاعلم بأنك بعدها محمول
نعم كلنا راحلون وإن أبينا.



