الثلاثاء 13 أكتوبر 2026
مصادريكل المصادر
اختر الصحف التي تريد أخبارها
التنبيهات
أدب ورأي

تـــراتـــيــــلُ الــــذاكــــرة

صادق آل غانم · القطيف اليومالثلاثاء 25 يناير 2022، 12:04 م
تـــراتـــيــــلُ الــــذاكــــرة

إلـى فرقة المجتبــى القرآنية

مُنْذُ شَغْفٍ مَسْكُونٍ بِآيَةٍ مُجَوَّدة ، مـُـنْذُ عِشْــقٍ مَأْهُولٍ بِمَــقَامَاتٍ بَــاذِخَةِ الْأَلحْـانِ ، سَكْنَتْ أُمْنِيَاتِهِمُ التِّلاواتُ الْفَارِعَة ، فَمَضَتْ بِهِم نَحْوَ شَاهِقٍ فِي التَّعْبير ِعنِ الإلهيِ الذِي لا يُنالُ إلا بالجْمالِ ، فأسْرَجُوا صَهْوةَ المْقَامِ كَأعَزِّ مَكَانٍ يَحْتَضِنُ صَبَوَاتِــهِمْ ، مِثْلَمَا أَسْرَجُوا قُلُوبَهُمْ مَصَابِيحَ تــــَـــــزْهُو بِأنْوارِ الْوِلايةِ ، فَكَانَتِ التِّلاوةُ الْمَقَامُ وسِيْلتهَمُ الجِـمِيلَةَ نحَــوَ الجْـَـمَالِ الْمَطْلَقِ .. فلابدَّ إِذنْ مِن هَنْدَسَةِ الصَّوْتِ نَظَرَاً وَ تَطَبِيقَاً ، علَّها تُعِينُ فيْ مُلامَسَـــــةِ التَّعَابِيرِ الْقُرْآنِيَّةِ .
على قِلَّةِ أَدَواتٍ وَكَـــبِير ِعِشْقٍ ، كَانُوا يُرَاكِمـُــونَ تَجَارِبَهُمْ .. وَكَمْ كَانُوا يُصِيبُونَ فَــرَحَ غِنَـىً أَنْ فُتِحَ لَهُمْ كَـنْـــزُ مَــقَــامٍ ، وَ أَنْ كُــشِفَ لَهُمْ مَــخْــرَجُ حَـــرْفٍ ، وَأَنْ بَــانَ لَـــهُــمْ جَــوَابُ قَـــــــــــرَارٍ ( فَكَأَنْ كُشِفَ مَكْنُونُ آيَــــةٍ ) وِلسَانُ حَالِهُمْ : أنَّ هذهِ الآيَةَ تَطْلُبُ السِّيكَا ، وَهَذَا الحْـجَازَ يُنَاسِبُ هَذَا الْمَقْطَعَ مِنْ السُّورَةِ .. كُشُوفٌ و َيَالَهَا مِنْ كُشُوفٍ سَيَتِمُ الْقَبْضُ عَلَيْهَا لِئَلاَّ تُفْلِتَ بَعْدَ كَثِيرِ حِرْمَانٍ .
وَلِئَلاَّ تَــتَــفَرـَّقَ جُهُودُهُمْ أَيَادِيَ سَــبَـأْ، وَلأِنَّ الْعُمْرَ يَنْسَرِبُ كَمَا الْمَاءِ مِنْ خَلَلِ الأَصَابِعِ ، يمَّـمُوا طَاقَاتِهِمْ شَطْرَ الْقُرْآنِ تَجْوِيدَاً وَ مَقَامَاتٍ ، مَقَامَاتٍ و َتجَوِيـدَاً ، مِرَانَاً مُكَرَّراً ، أَسَاتِذة ً لأنْفُسِهِمْ حِينَ لا أَسَاتِذَةَ إِلا كَصُبَابَةِ الإنَــاءِ .
وَمِنْ سُؤَالٍ مُحْرِجٍ حِيْنَهَا : لِمَ ضَاقَتِ الْبُيُوتُ بِاحْتِضَانِ جَمَاعَةٍ قُرْآنِيَّـةٍ ، وَكَانَتْ قَبْلُ لَمْلَمَتْ شَتَاتَ شُعَرَاءَ وَ أُدَبَاءَ ؟ .. مِنْ هُنَا قَرَّرُوا أَنْ يَتَكَـــوَّنُوا فِي الدَّاخِلِ قَبَلَ أَنْ يَتَخَارَجُوا ..قَرَّرُوا الاعْتِكَافَ عَلَى أَنْفُسِهِمْ زَمَنَاً لِتَتـَدَفَقَ أَنْهَارَهُمْ ، فَبَدَأَتْ بِهِمُ الْبُيُـوتُ عَلَى حِينِ فَتْـرَةٍ مِنَ الذَّائِقّة .. وَهَــكَذَا بــَدَأُوا برُوفَاتِهِمْ .
وَفِي بَحْـثِهِمْ عَنِ النَّمَوْذَجِ لِلِمَــرَانِ الصَّــوْتِيّ ، كَانُوا أَكْثَرَ مَا يَأْنَـسُـــونَ لِلتِّلاوَاتِ وَالابْتِهَالاتِ القَادِرَةِ بِتَعَـدُّدِ مَقَامَاتِهَا عَلَى اكْتِشَافِ وَاخْـتِبَارِ أَكْـبَرِ مَسَاحَةٍ صَوْتِيَّةٍ صُعُودَاً وَهُبُوطَاً ، فَيُكَرِّرُونَهُ لَيَالِيَ وَ أَيَّامَاً، جَمْعَاً وَ فُرَادَى ، كَأَنَّهُمْ يُدَوْزِنُونَ بِهِ حَنَاجِرَهُمْ حَدَّ الإِتْقَانِ ، لِتَكُونَ قَادِرَةً فِي قَادِمٍ عَلَى أَدَاءِ هَكَذَا مِسَاحَاتٍ فِي مَشُروعِ قِرَاءَةٍ جَدِيدِ لآيَاتٍ وَتَوَاشِيحَ دَانِيَةٍ قُطُوفُهَا لِمَنْ يُتْقِنُ الْقِطَافَ .
عَامَـانِ عَلَى هَذَا الْــغِرَاسِ سَقْـَياً وَ تَشْـذِيبَاً وَ تَهْـذِيبَاً حَتَّى آنَ قِطَـــافُه ُ فِي الأُمْسِيَاتِ الَّتِي جَآؤُوهَا لِيَسْكُــبُوا فِي آذَانِ الرُّوحِ قَـبَسَاً نُورَانِيَاً مَصُوغَاً فِي قَالَبِ مَقَامٍ مُؤدَّىً بِخَاصَّةِ حُنْجُرَةٍ وَ فَرَادَةِ أَدَاءٍ .
وَلأَنَّهُمْ لَمْ يَدَّخِرُوا وَسِيلَةً مُمْكِنَةً لِلتَّعَرٌّفِ عَلَى كَائِنِ الْمَقَامَاتِ ، كَانُواعَلَى مَوْعِدٍ مَعَ تَجْرِبَتَينِ ثَرَّتينِ ( مُوسِيقِيَّةٍ وَقُرْآنِيَّةٍ ) ، فَلأَيٍّ سَتَكُونُ الحَـظْــوَةُ ؟
رغْمَ رُجْـحَانٍ فِي الـتَّشَخُّصِ الخْـَارِجِيِّ وَ الحُضُـورِ الشَّخْصِيِّ لِلَمَـقَامَاتِ المْـوسِيــقِيَّةِ عَبْرَ أَحَـدِ أَرْوَعِ الأَسَاتِـذَةِ المْتخصِّصِينَ وَ الْمُـتَــفَـرِّدِينَ دِرَاسَـــةً وَ عَزْفَاً ، وَ رَغْمَ تَوَارِي الْمَقَامَاتِ الْقُرْآنِيَّةِ بِحُضُورٍ صَوْتِيٍّ فِي الأَغْلَبِ عَبْـرَ تَسْجِيلاتِ كِبَارِ الْقُرَّاءِ .. لَكِنَّ هَكَذَا رُجْحَانَاً لَمْ يُرَجِّعْ صَدَاهُ فِي دَوَاخِلِــهِـمْ ، فَيَمِيلَ بِالْبَوْصَلَةِ نَــحْـــوَ السُّلَمِ وَالنُّوتّةِ الْمُوسِيقِيَّينِ .. بَلْ عَلَى عَكْسِ مَا يَصْبُو إِلَيهِ الْبَعْضُ ، لَوَوا عُنُقَ الْمُوسِيقَى لِصَالِحِ التِّلاوَةِ ، فَكَانَ يَكْفِيهِمْ مِنْهَا نَاتِجُهَا وَ مُحَصِّلَتُهَا ، صَارِفِـــيـنَ النَّظَرَ عَنْهَا أَقْبِيِةَ تَرَاكِيب وَ دَهَالِيزَ مُصْطَلَحَاتٍ ، فَـمَا اسْتَـسَاغُـوا شَرْحَــهَـا الْمَقَـامَاتِ إِلا َّعَبْرَ شَوَاهِـدَ قُرْآنِـيَّةٍ ، وَكَانَ لَهُــمْ ذّلِــــكَ بِتَوَاضُعٍ جَــمٍ مِـــنْ أُسْتَاذٍ قَــدِيرٍ ، كَانَ لَهُمُ المْعَلِّمَ الْمُتَعَلِّمَ ، وَ لِيُثْمِـرَ تَعَـاضِدُ التَّجْرِبَتَينِ عَنْ قُوَّةٍ تَطْبِيقِيَّةٍ فِي الْمَقَامَاتِ .
وَمَا ذَاكَ إِلاَّ شَاهِـدُ خُلُــوصٍ فِــي التَّوَجُّهِ وَ صِدْقِـيَّةٍ فِي النَّوَايَا وَ بَقَاءٍ عَلَى الْعَهْدِ ، كِمَا أَنَّ فِيهِ شَمِيمَ َرائِحَــةِ اقْتِفَاءٍ لِشُيُوخِ الْقُرَّاءِ بِالاكْتِفَاءِ بِالشّـفَاهِيّةِ السَّـمَاعِيَّةِ دُونَمَـا الْحَـاجَةِ لِكِتَابَـةِ الْمَقَامِ وَ تَدْوِينِ دَرَجَاتِه .