الهشاشة النفسية.. ما لها وما عليها

لم أسمع بمُصطلح "الهَشَاشَة النفسية" مِن قَبل، غير أَنَّ عَشيرَها وصَنوَها الشائع الذائع مُصطلح "هَشاشَة العظام" يَتردد ويَتجدد ذِكره مِرارًا؛ ويُذاع ويُشاع صِيتُه تَكرارًا في أَروِقة الأَوسَاط الطبية؛ حَيث باتت آثاره التشخيصية العُضوية، مَعروفة بصُور أَشعة مَقاطِعِه التشويهية المَلموسة، المَصحوبة تِباعًا، بالضَعف والوَهَن المُتفشيان، عند سَواد العامة مِن كبار السن مِن الجنسين… هذا، ومِن الطريف والغريب ذِكره، أَنَّ استهلال واستدلال "كورس" نَوبة الهشاشة النفسية، في ثوبه البالي السمَل، أَقرب مَا يَكون إلى طَرَفٍ فاعلٍ في مَغبة "مُتلازِمة" مَرضية تُلامِس حَاضر أحاسيس؛ وتُصاحِب وَاقع وِجدان الإِنسان المعاصر… وهُنا، يَظهر ويَتصدر أَثر الهشاشة النفسية مُداعِبًا، شَاخِصًا، مَاثِلًا للعِيان، في ناصِية ذائقة مِزاج الشخص الكدِر العكِر، كَمؤشر حَي نَابض، لا يُمكن تجاهل شِيَة شَكوى رَاهِن ألَم مُعاناتِه الضاغطة؛ أَو إِخفاء ظَاهِر وَجَع مُقاسَاتِه المُقلِقة؛ أَو كَتم وحَجب سَبْر قراءة مُستوى ومُحتوى انحراف 'إِبرة" قياس مُؤشره المْتذبذبة الناشزة، عن مُنحنى استقامة وسَوية الصحة النفسية، والعقلية السليمة، بوجه عام… وُصُولًا إِلى إِطار مِثالية جَادَّة المَقُولة الصحية الصادِحة المُثلى: ( العقل السليم في الجسم السليم).
ولعل وَقعَ الهشاشة النفسية يَنشأ مِن استيلادٍ مُخصَّبٍ في قرار قَعر رَحِم المَنظور المَجازي، المُشتعِل تأَجُجًا بإِمدادات حَية مُتدفقة مِن قَدح زِناد وَقود نشِط، يتمازج ناتج قَوامه الفعَّال ذاتيًا، مَع انسياب نَسق ذخيرة الطَرق المُتتابع؛ وهَروَلة نَبض أَذرعة رُؤوس وتُروس أَسِنَّة القَعقَعة "المِيكانيكية" لرشاقة دَيمُومة الركض المُتسابق المُستمر، ورَاء فُقاعات فَحوَى المناشير المعرفية الاجتماعية والنفسية، المُتطايرة أَوراقها بحُرية دائبة، في سَماء، مُحتوى المُتطلبات المعيشِية الراهِنة؛ والمُنتشِرة في قِمم فَضاء المُستجدات البيئية الساحِقة، مِن حَولنا خصوصًا، في طُول أَقاصِي، وعَرض أَعالي ذُروة سِجل سَنا بَرق عصر العولمة الضاغط المُتسارع، بقَضه وقَضيضه… فهناك الكَثير والمُثير مِن زخم المُتغيرات المُزاحِمة، وأَنماط المُستجدات الوَلِيدة توًا، في صُلب عَراء عَالم صَخِبٍ صَلِفٍ، يَبعث بآخر رَسائله النصية؛ ويُدلي بتالي أَحبال وَسائله المتقنة، مِن أَغرب وأَغمض فَرقعات مُستحدثة مَنشورة مُتناقلة، عَن نُشوء جَلِي، وبُروز سَافِر، لأَنساقٍ نشطةٍ عَجِلة، مِن جَوف أَرذل أَسفاط مُسوِّغات الهشاشة النفسية السقيمة الذميمة، المُثقلة، بدَفتي كاهِلها المُرهَق، بحِملِ صَفيرها؛ والمُجهدَة عِبئًا ووِزرًا بجَر كَيلِ نَفيرها…
ولعل أَجواء البيئة الصاخبة، وأَفنية المحيط المُحتقِن مِن حَولنا، تُمثلان أَحدَ أَهم الأسباب المَحسوسَة المُباشرة في الشعور المُتجدد بأَعراض هَجمة وغَزو الهشاشة النفسية: الإحساس بالوحدة، وسُوء التكيف، وسُرعة التذمر، وحِدَّة المزاج، وفَورة النرفزة، وجَلد الذات، والنفور مِن الآخرين، والوّسوَسة غير المُبرَّرَة… كُلها أمُور سَلبية تُعيق وتُبطئ مِن سّوية تَواصُل وتَوافُق نفسية الفرد المُصاب؛ ورُبما توصِله إِلى حَالة مُتقدمة مِن مَظاهر الاكتئاب النفسي، والعُزلة المذمُومة، وسُوء التكيف الاجتماعي… !
إِضافة إِلى ما تقدم ذِكره مَن أسباب ومُسببات الهشاشة النفيسة، هُناك سَيطرة واستحواذ التفكير العاطفي، على حِساب غِياب وإَهمال التفكير العقلاني المنطقي… ذلك السلوك الوجداني المُهيمن، له جوانب سَلبية مُؤرِّقة ومُزعِجة؛ للاستقرار النفسي، وأَريحية التسامح مَع الذات، وُصُولًا إِلى أَمتع مَحطات ولَحظات السلام النفسي الداخلي؛ ونبذ حُثالة مَا يُعكر نَقاء وصَفاء السلامة النفسية؛ ويَحُول دُون احترام الذات، ويَصرِف عن الاستمتاع بالسمو النفسي المُتوزان!
وعلى عَكس ضَعف وهَشاشة الأَرضية الفكرية؛ باجترار مُسلسلة المشاعر والأَفكار السلبية المُتجذِّرة مِن سَابق مُكتسبات، والمُتحدِّرة سَالف مَوروثات الماضي؛ واحتسابها مَعايير ومَقاييس-رقمية دقيقة- في فن التعامل مَع آخر مُستجدات، وأَحدث تطلعات المستقبل؛ لها تأثيرات سَلبية، تَنشأ تِباعًا، لا يُمكن إِنكارها في "سرمَدة" واجترار مَظاهر وتَشويهات الهشاشة النفسية المُزمِنة!
هذا، وفي الضفة المُقابلة لأَرضِية الهشاشة النفسية، بأقنعتها السوداء القاتمة؛ تبرُز وتنتشِي أُختها البِكر الرشيدة "الصلابة النفسية" مُختالة في ثنايا أَثوابها الحريرية الفاتنة، الباعثة على مِساحة مِن الفَرح، المَرح، والزهو، والانفتاح الإِيجابي المتجدد، على مَراقي مَسارح الحياة، وأَكناف مَحبة الآخرين، بمُرونة مَشهودَة ولُيونة مَعهودَة... (رَبَّنَا لَا تُزِغ قُلُوبَنَا بَعْدَ إذْ هَدَيْتَنَا وَهَبْ لَنَا مِنْ لَدُنكَ رَحمَةً إِنَّكَ أَنْتَ الوَهَّاب).



