حلّاق العيد

دعوني أوشوش لكم بأقصوصة صغيرة حصلت معي (ليلة العيد)، حيثُ أمسكتُ بيد طفلي الحبيب متوجهيْن للحلاق وسط نوبةٍ من البكاء والتأفف، وقد كنتُ على عجالة للاصطفاف في طابور الحلاق كالعادة في تلك الليلة الجميلة المباركة.
وصلنا فإذا بأحد الصبية على الكرسي والحلاق في معركةٍ معه ، وكان في الانتظار (أحد طلبة العلم) وشابين آخرين.
أعلمتُ الحلاق بما أرغب فيه لطفلي .. ووقفتُ عند الباب متلحفةً برطوبة أبت إلا أن تكون حانيةً علينا بقوة في تلكم الليلة !
انتهى الصبي الصغير من حلاقته، ووقف طالب العلم فور انتهائه.. فابتسمت لا شعورياً بمجرد أن وقف.. فقد كان عقلي الباطني يُمنّيني بأنه سيعطي لطفلي دوره شفقةً بتلك المرأة الواقفة خلف الباب، لكنّ آمالي ضاعت سدى، بعد أن تربّع الشيخ على كرسيه وخلع عباءته .. شعرتُ حينها بشعورٍ الخيبة اللا متوقعة.. وأومأتُ لطفلي أن أحسِن الجلوس لحين ينتهي الشيخ من حلاقته.. بيْدَ أنّ ماحصل لم يكن يخطر على بالي مطلقاً .. لقد استغرق الشيخ ساعة كاملة للانتهاء من جميع طلباته.. من حلاقة ذقنٍ وشعر وتنظيف للبشرة.. وأنا في خلال تلك الساعة ومايزيدُ عليها من وقتٍ قبليٍ وبعديٍ كنتُ أعاني من الحر ما أعاني.. وفي تلك الساعة أيضاً قارنتُ بين (طالب العلم) و (رجل من العوام) تصادف أن كنتُ بنفس المكان لنفس الغاية في وقتٍ سابق فأبى إلا أن يعطي دوره لصغيري الذي لم يأخذ من وقت الحلاق أكثر من عشر دقائق بدرجةٍ أفرحتهُ كثيراً عند خروجهِ من الحلاق وهو يخبرني بالقصة.. فطلبتُ منه أن يعود أدراجهُ ليشكر ذلك الرجل على جميل صنعه وشهامته.
وأخيراً انتهى (طالب العلم ) وجاء دور طفلي الذي مات مللاً من الانتظار وهو يخبرني بين كل خمس دقائق: "الشيخ ماخلص".
خرج من الحلاق من بعد مايربو من الساعة بدون أدنى شعورٍ بائن على وجهه بحق تلك المرأة الواقفة على قدميها كل هذا الوقت الذي استقطعه لنفسه في مقابل عشر دقائق فقط فقط فقط لطفلٍ لم يكمل السادسة من عمره !!
بعضُ المواقف تثبتُ لك معنى الرجولة والشهامة .. التي لا تُقاسُ بلباس ولا مركز ولا قيمة ولا حتى عمر .
في الصراف تتضح رجولة البعض ، وتتضح ........ البعض الآخر .. في الحلاق ..في البقالة ..في الخباز ..في المطاعم ..في المجمعات ..
وربما لا يمكننا أن ننحني لأولئك الرجال الشهماء فعلياً ..لكننا في داخلنا ننحني احتراما وتقديراً لمواقفهم التي تثبت أن الرجل موقف لا كلمة.
ربما يستنكر البعض حديثي هذا.. راداً بأن هذا دورهُ لا دوركِ.. ولكن أحبتي صدقوني من بهِ غيرة الرجال يحترم كل نساء الأرض.. يبقى رجلاً وإن قلت بعض النسوة من حيائهن.. يحملُ تربية أبيه في كلامه وسلوكه بل وحتى في غض بصره.
لكل رجلٍ شهم التقينا به في ليلة العيد أو ماخلاها.. وعند الحلاق وما عداه.. وأثبت تلك الحروف الثلاثة(ر ج ل): ابقَ رجلاً في كل مكان .. كن أنت النموذج الذي رأيناه في آبائنا وأجدادنا .. احترم تلك المرأة الغريبة.. لأنها قريبة لأحدهم.. البس ثوب الشهامة وارتدِ عمامتها.. فأمثالك فقط هم من نريده في هذا المجتمع.



