الثلاثاء 13 أكتوبر 2026
مصادريكل المصادر
اختر الصحف التي تريد أخبارها
التنبيهات
محليات

موهوبو «القطيف الثانوية» يقتربون من «جدل» الحرز.. تعرفوا على المكتبة وأثاروا أسئلة ثقافية

القطيف اليومالجمعة 30 ديسمبر 2022، 6:04 م
موهوبو «القطيف الثانوية» يقتربون من «جدل» الحرز.. تعرفوا على المكتبة وأثاروا أسئلة ثقافية

زار موهوبو مدرسة القطيف الثانوية مكتبة "جدل" بأم الحمام، يوم الإثنين 2 جمادى الآخرة 1444هـ، برفقة المعلمينِ؛ سميح المرهون، وعبد العزيز آل حرز، حيث استقبلهم صاحب المكتبة "علي معتوق الحرز".
وتجوّل الطلابُ -في البدء- بين أروقة المكتبة، اطّلعوا فيها على الأرشيف الكبير للجرائد والمقالات وتراث منطقة القطيف، ولفتَ انتباهَهم هذا الاهتمامُ الفريد بكل ما يمتّ بصلةٍ للمنطقة وثقافتها، وما كُتب عنها وعن شخصيّاتها، ثمّ أطالوا النظر كثيرًا في قاعات الفلاسفة الثلاث للكتب؛ إذ إن مكتبة الحرز تضمُّ أكثر من ثلاثين ألف عنوان، وأكثر من مئة ألف جريدة ومجلّة، ويعود بعضها لأكثر من قرن.
وألقى "علي الحرز" بعد هذه الجولة التعريفية محاضرةً قيّمة أمام الموهوبين، دارت أفكارها حول عدة المحاور؛ حيث أشار إلى أن رقيّ الإنسان يكمن في تنميته لعالم أفكاره وفق متطلبات العلم والثقافة، وذكر تقسيم المفكر الجزائري مالك بن نبي لعوالم الإنسان؛ إذ إن الإنسان يعيش في ثلاثة عوالم؛ عالم الأفكار، وعالم الأشخاص، وعالم الأشياء. ولكل حضارةٍ عالمُ أفكارِها.
وأشار "الحرز" إلى ضرورة أن يصنع الإنسانُ ذاته وفق إرادته وطموحه، فهو من يقرر ماذا سيكون في المستقبل.
وتطرق إلى أهمية امتلاك العقل الناقد، مشيرًا إلى تلك الأوهام التي تكبّل العقل بحسب فرانسيس بيكون في كتابه (أورغانون) وهي أربعة؛ أوهام القبيلة، وخيالات الكهف، وخداع السوق، وألاعيب المسرح.
ولفت إلى إشكالية أسر التقنية الحديثة وتعطيل العقل لدى البعض، مبينًا أهمية إعمال العقل حتى في التفاصيل الصغيرة، وحثّ -في محاضرته- الشباب على القراءة وتدوين يومياتهم وانطباعاتهم حول الأشياء والأحداث.
وحفّزت هذه المحاضرة أذهانَ الطلاب على طرح إشكالاتهم واستفساراتهم في جوٍّ يسوده الشغف العلميّ، وقد أتاح "الحرز" المجال للموهوبين للمناقشة، حيث أجاب عن سؤال هل الكتاب الرقميّ اليومَ سيتفوّق على الكتاب الورقيّ؟ وهل سيميل يومًا ما للقراءة الرقمية؟ فقال: "إنّ التطوّر اليومَ أتاح سهولة انتشار العلوم والمعارف، فبات الحصول على الكتب الرقمية سهلًا، إلاّ أنّ للكتاب الورقي قيمته، فأنا أتحسس رائحة الورق وأحب قراءة الكتب الورقية وهي المفضلة عندي، وإن كان البعض اليوم يميلون للكتاب الرقمي".
وأوضح "الحرز" سبب تسمية المكتبة بـ"جدل" وهو أن "جدل" مصطلح فلسفي وديني في آن واحد، فثمة سورة اسمها "المجادلة"، وهو الديالكتيك عند الفيلسوف هيجل مثلًا.
وفسّر سبب ميله للفلسفة اليونانية، من خلال تسميته القاعات الثلاث بأسماء؛ سقراط، أفلاطون، وأرسطو، بأنه لا يمكن إغفال أهمية الفلسفة اليونانية وأثرها على الفكر، لكن لا يعني ذلك الإجحاف لإنجازات الفلاسفة المسلمين وغيرهم فهو يقرأ لجميع الفلاسفة.
وتحدث عن رأيه في أنّه على الإنسان أن يصنع عالمَ أفكاره وأن بمقدوره أن يبني نفسه، وكيف يكون ذلك إذا علمنا أنّ كل شيء مقدر علينا وأن الله يعلم مستقبلنا، فقال: "عِلم الله بمستقبلنا لا يعني أنّنا غير مخيّرين في أفعالنا، إذ إنّ الله تعالى أودع في النفوس (التسيير الذاتي) حيث توجد بواعث ذاتية يقوم بها الفرد بإرادته وبعلم الله تعالى. وقد بحث علماء الكلام المسلمون مسألة الجبر والتفويض كثيرًا".
وذكر "الحرز" أنَّه على المرء أن يتحرر من عالم الأشياء والأشخاص إلى عالم الأفكار، ويكون ذلك إذا امتلك الإنسان عقلًا ناقدًا ليكون بمقدوره أن يميز الفكرة المنطقية الصحيحة من السقيمة، ويجب أن نجعل الأفكار هي محط اهتمامنا فبها نشخّص الأشخاص والأشياء.
وبيّن أن أصعب سؤالٍ فلسفيٍّ لم يجد له إجابة، هو أن هناك من الفلاسفة من جعل سؤال الوجود هو جوهر الفلسفة، لذا انصب اهتمامهم حول هذا السؤال الإشكاليّ، وبحثوا حول أيهما أسبق الماهية أم الوجود؟ مثل مارتن هايدغر، موضحًا أنه يميل إلى أن هذا هو السؤال الصعب كونه شغل اهتمام الفلاسفة.
وأجاب عن كيفية توفيقه بين القراءة والحياة الاجتماعية والنادي سابقًا؛ حيث كان مديرًا ومشرفًا للدراجات آنذاك، بقوله: "كنت أخصّص وقتًا للقراءة، ولم تكن آنذاك -منذ أن كنت صغيرًا- ثمّة "سوشيال ميديا"، وكنت لا أفوّت فرصة في اقتناء الكتب ومطالعتها وقد بدأت بجمع الكتب قبل 45 سنة.
وتحدث "الحرز" عن أهمية القراءة، وما الذي يحفزه للقراءة، وما إذا كان سيحصل على المعلومة بسهولة من خلال وسائل التواصل كالواتساب وغيره، فقال: "وسائل التواصل لا تصنع منك مثقفًا حقيقيًّا، بل تجعلك تقع في الوهم، إذ إن كثيرًا من المعلومات المتناقلة لا يمكن الوثوق بها وصحّتها، إلاّ إذا كنت تقرأ كتبًا رقمية من خلال ذلك، وأمّا عن الدافع الحقيقيّ فيجب أن يكون هو شغف امتلاك المعرفة وهذا لا تُتيحه الرسائل الواتسابية!".
وبيّن أننا ندوّن يومياتنا؛ لأنها ببساطة تكون في المستقبل وثيقة مهمّة، فالفكرة البسيطة المدوّنة اليوم ستكون ثمينة غدًا، وهذا ما فعله مثله "تولستوي" حيث دوّن يومياته في كتاب (اليوميات) في ستة أجزاء، وبعض تلك اليوميات قد تبدو أفكارًا عادية مثل شكواه من مرض أصابه عند استيقاظه من النوم ويصف حالته المزاجية، لكنها اليوم قد تُعدّ وثيقة مهمة ترسم لنا نفسية الكاتب وأفكاره ومواقفه، وأذكر مثلًا كتاب (الأزهار الأرجية في الآثار الفرجية) للشيخ فرج العمران -رحمه الله- حيث يُسجل لهذا الشيخ الفضل في تدوين تلك اليوميات وتلك الآثار السابقة، وغدا كتابه اليوم مهمًا.
وطرح أحد الطلاب سؤالًا، وهو اقتناؤك لهذه الكتب الكثيرة ألا يوحي بما يُطلق عليه في علم النفس "بالاكتناز القسريّ" وكأنّك مهووسٌ بجمع الكتب فحسب؟ فأجاب: "قل إنّي "ببلومانيّ" Bibliomania أي أني أعشق شكل الكتاب ورائحته وصوت أوراقه، وجمع الكتب لديّ بدأ منذ الصغر، لكني أقضي وقتًا طويلاً في القراءة، وليس جمع الكتب لأجل الجمع فحسب".
وعن كيفية تصنيفه كتبه التي تملأ هذه الرفوف، قال "الحرز": "صنفت الكتب في القاعة الأولى (قاعة سقراط) وفق دور النشر، فإصدارات كل دار وضعتها في رف معين، وفي القاعتين الأخريين صنفت الكتب وفق الموضوعات الفلسفية أو الدينية أو الأدبية".
وعن حبه الأدب والشعر، ومن هو أفضل أديب لديه على مر العصور، يقول: "قد كنت أحفظ المعلقات وأنا ما زلت صغيرًا، ولدي شرح المعلقات للزوزني وقد اقتنيته عام 1399هـ، وحفظت منه الكثير، لكني أرى أن أبا الطيب المتنبي هو شاعر العربية الكبير الذي شغل الناس، وأحب شعره كثيرًا لما فيه من رؤية نقدية وفلسفية للحياة".
وذكر أنه يقرأ من الأدب غير العربي، الأدب الروسي مثلًا لتولستوي وألكسندر بوشكين الشاعر المعروف، لما في الأدب الروسي من نظرة عميقة في علم النفس.

بلدات:القطيف