الأربع ساعات!

كان مُتوترًا، لم يستطع النوم، قلق التفكير إذا ما استحوذ عليه فإنّه القلق الذي لا يهدأ، يتسمر في ذاته، يُعاتبها حينًا، ويستشرف دهاليزها في أخرى.
الوقت له أهمية كبيرة لدى أحمد، يقضي يومه في القراءة، أو على قنوات التواصل الاجتماعي، أو بين أحضان أسرته، يُحاول جاهدًا أن يستغل جولات عقارب الساعة قدر ما يستطيع.
في تلك اللّيلة كأنّما عقارب الساعة توقف دورانها، كأنّما الوقت لم يكن رفيقه، وليس له علاقة به. هذا الشّعور ينتاب الإنسان في اللّحظات الهاربة من يديه، ولا يملك القدرة على الإمساك بها.
بعد عودته إلى المنزل، والإرهاق يأخذ منه كلّ مأخذ، أبصر بقُربه جاره الجديد إسماعيل الذي سكن مُنذ قرابة الأسبوع في حارتهم، والذي قابله بابتسامته المُفعمة بالابتهاج لرُؤيته، تبادلا التحايا والقُبلات، ثمّ دعاه إسماعيل للجُلوس معه، لم يشأ أن يُسبب له الإحراج، ليُوافق على طلبه، جلسا معًا في المقهى المُجاور إلى منزل أحمد، ورائحة القهوة الفرنسية التي طلبها إسماعيل تفُوح في المكان كفراشة تنثر ألوانها في الأجواء. ازداد الإرهاق على أحمد، كان خُروجه من المنزل في الصباح الباكر، ولم يعد إليه إلا قبل غروب الشمس.
الحياة تضعك في بعض المواقف التي لا تعلم كيف تُعالجها، أو كيف تنساب منها، لتنفرد بذاتك. هذا بالضبط ما حدث لأحمد، نفدت كلماته، قصصه التي يحفظها، النّقاش الذي يُديره، ليكون الأغلب في الزوايا، كان حديثه قد اجتاحه الملل، أحسّ بأنّ الوقت يمرّ ببطء، حتى حدّق في ساعته فجأة، وإذا بها تّعلن عن مُرور الأربع ساعات.
تثاءب لعلّه يعرف إلى الاعتذار سبيلًا، ولكن دُون فائدة. وحدث الذي لم يكن في الحُسبان، جاء صديقه المُقرب علي ليكون طائر السعادة الذي سيمنحه فُرصة ليخلد إلى النوم. ألقى علي السّلام عليهما، وعلى الفور وجه كلامه إلى أحمد. أحمد للتو رأيت والدك الحاج محمد وقد سألني عنك فأخبرت إذا رأيته سأخبره ليأتي إليك.
لقد شدّ انتباه أحمد ما أبداه علي بعينه التي يُغمضها لأكثر من مرة، والتي تُدلل على أن ما ذكره عن والده غير صحيح، والهدف منه أن يمنحه العُذر بالقيام. توجه أحمد إلى منزل والده بعدما قدّم اعتذاره إلى جاره في المُغادرة، وقرص يدي علي، ليلحق به ويُخبره ما خُفي عنه.
سأله علي: كم لك من الوقت جالسًا معه؟
أجابه: على الأقل أربع ساعات.
همس في أذنيه، وهو يبتسم، وملامح وجهه تُشير إلى الكوميديا: اجتهد في معرفة الآخرين، كي لا يضيع الوقت من دقائق حياتك، فالوقت كن في تعاملك معه كما تتعامل مع ابنك وتهتم به كاهتمامك به.
غادر علي المكان، وقذف في ذاكرة أحمد الكثير من الأسئلة التي عقد العزم على الإجابة عنها بمُفرده، وهو يُدمدم: الأربع ساعات! الأربع ساعات!



