الثلاثاء 13 أكتوبر 2026
مصادريكل المصادر
اختر الصحف التي تريد أخبارها
التنبيهات
أدب ورأي

التضحيات وحب الذات!

محمد الأحسائي · القطيف اليومالأربعاء 19 يوليو 2023، 1:52 م
التضحيات وحب الذات!

بسم الله الرحمن الرحيم {وَيُؤْثِرُونَ عَلَى أَنْفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ وَمَنْ يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ}.

الناس في هذه الدنيا صنفان؛ الأول صاحب التضحية والإيثار. والثاني صاحب الأنا وحب الذات.

التضحية والإيثار معنى التَّضْحية اصطلاحًا: (بذل النَّفس أو الوقت أو المال لأجل غاية أسمى، ولأجل هدف أرقى، مع احتساب الأجر والثواب عند الله عزَّ وجلَّ).

هناك نفوس جُبلَت على هذه العادة وسخَّرت كل طاقاتها لخدمة مجتمعها وإسعاد غيرها فلا معنى لحياتهم دون أن يرسموا البسمة على الغير ولا استقرار دون أن يستفرغوا كل طاقاتهم ويبذلوا ما بوسعهم لإصلاح مجتمعاتهم متغاضين عن حقوقهم ومتناسين راحتهم التي لا يشعرون بها إلا بعد أن يطمئنوا على راحة غيرهم.

ولنا في التاريخ نماذج نقتدي بها أولها هابيل حيث سيطرت على أخيه قابيل روح الأنانية وحب الذات أما هابيل فقد برز بروح التضحية حتى قُتِل على يد أخيه وذلك حفاظًا على المصلحة العامة.

{قالَ لَأَقْتُلَنَّكَ قالَ إِنَّما يَتَقَبَّلُ اللَّهُ مِنَ الْمُتَّقِينَ * لَئِنْ بَسَطْتَ إِلَيَّ يَدَكَ لِتَقْتُلَنِي ما أَنَا بِباسِطٍ يَدِيَ إِلَيْكَ لِأَقْتُلَكَ إِنِّي أَخافُ اللَّهَ رَبَّ الْعالَمِينَ}.

ونبي الله إبراهيم ضحى بابنه إسماعيل عليهما السلام، وإسماعيل أيضًا استجاب لتضحية والده تنفيذًا لأمر الله حتى لو كان فيها حز رأسه.

{فَلَمَّا بَلَغَ مَعَهُ السَّعْيَ قَالَ يَا بُنَيَّ إِنِّي أَرَىٰ فِي الْمَنَامِ أَنِّي أَذْبَحُكَ فَانظُرْ مَاذَا تَرَىٰ ۚ قَالَ يَا أَبَتِ افْعَلْ مَا تُؤْمَرُ ۖ سَتَجِدُنِي إِن شَاءَ اللَّهُ مِنَ الصَّابِرِينَ} لكن الله سبحانه وتعالى فداه ونجِّاه {وَفَدَيْنَاهُ بِذِبْحٍ عَظِيمٍ}.

ورسول الله صلى الله عليه وآله وأهل بيته عليهم السلام كلهم مضحون ومتفانون في الإيثار وفيهم نزل قوله تعالى: {وَيُؤْثِرُونَ عَلَى أَنْفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ}، ومن هنا سار المؤمنون على هذا النهج وصاروا رمزًا للتضحيات ومثالًا لأهل الخير.

أغلب الناس يمتلكون روح التضحية وحب خدمة الآخرين ويغتنمون الفرصة لبذل الغالي والنفيس لمصلحة بلادهم ولا يهمهم أن يعرفوا. ولا يشهِّرون بمن وَصَلتهم خيراتُهم ولا يتأسَّفون على ما بذلوا. ولا يهمُّهم التصوير ولا يميلون لحب الشهرة وأهم ما عندهم حفظ كرامة من يضحون لأجلهم كي لا يشعرونهم بالنقص والضعف والهوان.

وكل تضحياتهم لرضا الله سبحانه وتعالى (إِنَّمَا نُطْعِمُكُمْ لِوَجْهِ اللَّهِ لَا نُرِيدُ مِنكُمْ جَزَاءً وَلَا شُكُورًا)، وقد لا تكون التضحية بالمال ولا بالطعام ولا بالسهر والوقت بل قد تتعدى إلى جزء من جسم الإنسان كمن يتبرعون بدمائهم لإنقاذ المرضى المحتاجين للدماء فكم يساهم هؤلاء في إنقاذ المرضى من الموت وكم لهم من أجر وثواب.

كذلك هناك من يتبرع بإحدى كليتيه لأقربائه أو أصدقائه وهناك من يتبرع بجزء من كبده وهناك من يتبرعون بالقلوب لإنقاذ المرضى. نحن تستقطبنا تلك المواقف وتهز مشاعرنا وتحرِّك فينا روح التضحية والإيثار. بما فيها من إحياء للنفوس البريئة (وَمَنْ أَحْيَاهَا فَكَأَنَّمَا أَحْيَا النَّاسَ جَمِيعًا).

وأولئك العمال الأجانب هجروا أوطانهم وتركوا أطفالهم ونساءهم ولجأوا إلى بلدان غريبة عنهم وعملوا في الحفريات والتنظيف والتنقيب والبناء وسهروا الليالي وناموا في الحدائق تصهرُهم حرارة الشمس وتحملوا الجوع وشظف العيش من أجل توفير الراحة لأبنائهم وتعليمهم في أوطانهم.

ليس هؤلاء من سبق بالتضحيات بل تقدَّمهم آباؤنا وأجدادنا في زمن صعب وغاصوا البحار وقطعوا الفيافي والقفار وواصلوا الليل بالنهار ليوفروا لنا العيش الرغيد ويهيؤوا لنا سبل التعليم وتخطِّي عقبات الحياة. وما وَصَلنا إلى ما نحن فيه من تقدم وتكنولوجيا وازدهار إلاّ بفضلهم وتضحياتهم، ورحم الله آباءنا وأمهاتنا وأجدادنا وجداتنا وأجزل لهم حسن الثواب. هذه الدنيا لا تستمر إلا بالتضحيات ولا يسعد شخص إلا بجهود الآخرين.

وها نحن نرى التفاني وتكاتف المجتمعات وانصباب الجهود نحو سد الثغرات في الجمعيات والمؤسسات الخيرية. وها هي مجالس عاشوراء تُبرز لنا مستوى التضحيات التي يقدمها لنا مسؤولو ومسؤولات المآتم والمجالس الحسينية لإحياء الشعائر ومجالس العزاء. فهناك من يخطط ومن ينسق ومن يرتب ومن يشرف ومن يستقبل ومن يخدم ومن يهيئ المكان عند الدخول وبعد الخروج. هؤلاء لا يتقاضون أجرًا ولا يطلبون هدايا ولا يمنُّون على أحد بل يستقبلونك برحابة صدر ويودعونك ببشاشة لتعود مرات ومرات. وهذا يشعرنا بالفخر وينمِّي فينا روح التضحية وحب العطاء ولا نبحث عن منصب ولا شهرة ولا رياء.

الصنف الثاني: صاحب الأنا وحب الذات: هناك أشخاص يعيشون لأنفسهم همهم ذواتُهم يجمعون الأموال لأنفسهم ويبنون البيوت لراحتهم ويقتنون السيارات والأجهزة لرفاهيَّتهم وتراهم منطوين ومنزوين عن أهلهم ومجتمعاتهم.

قد يقضون حياتهم بين الأكل والنوم ومتابعة البرامج التليفزيونية ولا همَّ لهم بما يجري في الخارج. وقد يكدحون ليل نهار لأجل كسب المال وادخاره وزيادة رصيدهم في البنوك
هؤلاء قد يقومون بواجباتهم الأسرية وقد يهربون منها ليتفرغوا لحياتهم الشخصية. منهم من يعيش في وطنه ومنهم من يسافر بعيدًا ليغذي طموحه ويشبع رغباته ويسعد نفسه. ومنهم من هو في بلده لكنه كالغريب لا يدري بما يحدث فيها ولا يعلم.

إلى أين تسير أيها المواطن الغريب؟ إلى من تجمع المال وتخزنه؟ إلى متى هذ الانزواء والانطواء؟ هذه أيام عاشوراء تعلِّمنا التضحية والفداء. هذه مجالس أبي عبدالله الحسين عليه السلام تناديك لتقترِبَ إلى الله وتتواصل مع أهلك ووطنك. حب الأنا لا وجود له في معركة كربلاء. الأهواء والمطامع الشخصية قد تناثرت على رمال كربلاء التضحية والإيثار رسما أكبر لوحة في كربلاء. ولم يجد الإمام الحسين عليه السلام في أصحابه إلا المتسابقين لنصرته: والله لقد بلوتهم، فما وجدت فيهم إلا الأشوس (1) الأقعس (2).

(1) الأشوس: الشديد.
(2) الأقعس: المنيع.

هيأ الله قلوبنا للتضحية والفداء وأبعدنا عن الأنانية والانطواء وعظم الله أجوركم
وصلى الله على محمد وآله الطيبين الطاهرين.