حكاية الأربعة أصابع!

وأنت تقرأ هذه الخاطرة حاول أن تقيسَ المسافةَ بين واحدةٍ من عينيك والأذن القريبة منها! سوف تجد المسافة تساوي أربعةَ أصابع مضمومة. وظيفة الأذن هي السمع ووظيفة العين الرؤية. بونٌ شاسع بين شكّ تحدثه الأذن التي تنقل عن فلان وعلّان وبين اليقين الذي تراه العين مباشرةً وتنقله إلى الدماغ دون شكّ!
منذ قديم الزمان والإنسان إذا لم يحبّ إنسانًا آخر وصفه وكتب عنه وقال عنه ما ليس فيه من الصفاتِ والأفعال وسارت بذلك الركبان، حتى لكأنَّ السامع أو القارئ ينظر إلى مخلوقٍ مختلف تمامًا عن الواقع.
نحن في عصر النور والمواصلات والتقنيات، إذا سمعت شيئًا غريبًا عن آخرين - جماعة أو أفراد - اقرأ ما كتبوه هم عن أنفسهم لا ما يكتبه عنهم غيرهم، زرهم وتعرّف عليهم ولا تقبل بما قيل عنهم من غيرهم مناكفة. خذ مثلًا ما يقوله بعضٌ من غير المسلمين عن المسلمين وبعض الجهّال من المسلمين عن بعضهم بعضًا؛ كم هو من السهل في عصر النور تبديد الشكّ واستبداله باليقين بنقرة إصبع أو تصفح كتاب أو تعرف على صديق؟
كم من فتنةٍ عظيمة تولدت من خبر مكذوب؟ أنتَ، القارئ الكريم يمكنك أن تعرف أصدقاءك بعاداتك وتدعوهم إلى زيارتك! بذلك تشارك في تبديد سحائب جهل الناس بعاداتِك وأخلاقك ومعتقداتك! بعض المناسبات الاجتماعية تشكل فرصةً جميلةً لمثل هذه الزيارات!
إن بعض الظن إثم، خطيئة يمكن تبديدها بزيارة ومشوار قصير ومحادثة أو كتاب موثوق. الإنسان ليس بضاعة يمكن تقييمها من الخارج، إنما هو كتلة من العقل والمشاعر والأحاسيس يجب التعرف عليها بالتواصل والتجربة.
يروي التاريخ أنه سئل أمير المؤمنين علي بن أبي طالب عليه السلام: كم بين الحقّ والباطل؟ فقال: "أربع أصابع" - ووضع أمير المؤمنين يده على أذنه وعينيه - فقال: "ما رأته عيناكَ فهو الحق، وما سمعته أذناكَ فأكثره باطل".
كم من أشياءٍ نقلناها على أنها لا تقبل الشك ثم إذا هي أباطيل أو هى من بيتِ العنكبوت؟ تثبت وتحقق قبل أن تحكم على شخصِ آخر أو آخرين، على معتقدهم، على عاداتهم، على تاريخهم وحضارتهم، فلا ينبغي لستائر الإشاعات والأكاذيب أن تغطي الحقائق.
كم من صديقٍ فرّقه عن صديق خبرٌ كاذب؟ كم من زوجٍ طلق زوجته بسبب خبر كاذب؟ أظنّ أن القارئ الكريم يستطيع أن يعد حالات كثيرة بناها أصحابها على شكّ وأحدثت فتنًا غير محمودة العواقب؛ فتن صغيرة وكبيرة!



