دخول مجاني

تُغلق أبواب وتُفتح أبواب في وجوهنا وربما نعمة إن كنا لا نشعر بها فإحساسنا قد يزعجه معنى الانغلاق حتى لو كان مقدار الانفتاح يقدر بأضعافه، فقد نخرج من عالم وندخل لعالم آخر دون أن ندرك من أي باب خرجنا وإلى أي باب دخلنا دون أن نطرقه حتى.
فنحن نعيش في حياتنا اليوم حالة من السفر الدائم فلم يعد السفر هو مصداق أن تسفر نفسك وأنفس الآخرين عما بها ويُعرف معدنها، فمواقف الحياة كفيلة بكونها محطات سفر بالحضر بدون حقائب وتذاكر.
حين نسافر لبلد أجنبي يلزمنا الحصول على تأشيرة دخول للدولة التي نزورها، وتعد التأشيرة بمنزلة ترخيص مشروط تمنحه الدولة للأجنبي لتسمح له بدخول أراضيها أو البقاء فيها أو مغادرتها وتتضمن التأشيرات عادة قيودًا على مدة بقاء الأجنبي، والمناطق داخل البلد الذي يمكن أن يدخلها، ومواعيد الدخول، وعدد الزيارات المسموح بها، ونحن حين ندخل شهر المحرم نحن ندخل لعالم مختلف وليس دولة مختلفة حيث تتجرد الأمكنة في زمانه.
حتى لو كنا ننخرط في نطاق الخدمة الحسينية في عالمه فإن خدمتنا التي لا نجزم بكمالها وعدم تعرضها للشوائب لا تزال لم ترتقِ لتجعلنا من الأنصار الذين هم السكان الأصليون لعالم شهر الحسين وعاشورائه.
فلا بد لنا من تأشيرة استئذان لتُدخلنا هذا العالم الذي فيه ما لا عين رأت ولا أذن سمعت ولا خطر ببال بشر، وكل ما تراه ونسمعه ونستشعره هو حسب حدود إدراكنا له، وإلا فهو عالم ترتع فيه الأملاك بأصوات النوح والعويل فقط ليُسعدوا قلب فاطمة الزهراء (ع) التي برضاها رضا الرب اللطيف.
ولأن ربنا رب عطوف فقد جعل تأشيرة الدخول لهذا العالم مجانية ولا تكلفنا إلا لحظة تأمل لنهيم في عالم قد يُحرم الغافلون عنه الكثير من الخيرات والكرامات.
إضافة إلى أن تأشيرة الدخول تأتي بعدة صور فأيها أتيت به دخلتَ بسلام، فقد تكون تأشيرتك سلام على الزهراء ينطق به لسانك تلقائيًا حين ترى اكتساء المباني والمآتم بسواد الحداد على شهيدها، وقد يكون دمعة ولدت في محاجر العين حتى لو لم تنزل من مكانها وحركتها كلمة مسها اسم حُسينها، وقد يكون لبس طفل صغير للسواد أهداه تلك التأشيرة حين رأى جمال الحسين وأيامه فيه.
تأشيرات كثيرة قد تصادفنا دون أن نُعيرها اهتمامنا لكن قد يكون لها الفضل في إهدائنا تأشيرة الدخول لعالم الحسين وبالطبع هو الحسين بنفسي هو وأبي وأمي من دعاهم لإهدائنا تلك التأشيرات.
لكن أهم تأشيرة قد تصلنا آثارها دون أن نشعر ودون أن نرى أي شيء خارجي هي ما يكتسي به هلال المحرم من حُمرة غير عادية تعكس ما ترفعه الملائكة من قميص الحسين الملطخ بدمه الطاهر.
فإذا حصلتَ على تأشيرة الدخول بقلبك ورأيت تغير الحال بروحك من أول ليلة ويوم لشهر عزاء إمامك الذبيح فأبشر باللطف والعناية الحسينية، لأني أعتقد أنه إذا كانت ليلة القدر تحتاج ثلاثة أشهر للتهيؤ الروحي والتخلي والتحلي حتى نستطيع إحياءها والحصول على ثمرتها، فعاشوراء تحتاج منا إمساك ثمرتها من أول يوم وليلة فإذا حصلنا على التأشيرة من الحسين وقربه من البداية فبإذن الله عاشوراء لأرواحنا وقلوبنا أقرب.
فإذا لم تحصل على تأشيرتك بعد ولم يخشع قلبك من اليوم الأول فحاول إصلاح ما بينك وبين الزهراء(ع) فأخشى أنك تعرضت لغضب أمنا العظيمة وفقط قدم شيئًا من قلبك لحُسينها وانظر ما الذي سيأتيك من رضاها.



