سلام مشتاق

مصافحة باليد أو معانقة أو تقبيل على الخد أو الجبين كلها قد نراها معاني للسلام نقوم بواحدة منها أو جميعها حسب قرب من نلقى من الأقارب والصحبة.
وقد يظن البعض أن تقبيل الجبين يكون فقط للكبير في السن تعبيرًا عن احترامه، وربما تجد بعض النساء أن تقبيل جبينها من واحدة قريبة من سنها فيه تكبير لعمرها، ولا تقل لي إن النساء لا ينزعجن ممن يوحي لهن بأي إيحاء أنهن أكبر من قرنائهن.
هنا أضع كلمة أعجبتني سمعتها منذ فترة من إحدى الخطيبات وكانت تتحدث عن التواضع، حيث نصحت بأن نعمل على تقبيل جبين من نسلم عليه حتى لو كان أصغر سنًا منا ليكسر تكبر النفس في داخلنا.
إضافة لكلامها مولانا الإمام الصادق (ع) يقول: إن لكم لنورًا تعرفون به في الدنيا حتى إن أحدكم إذا لقي أخاه قبَّله في موضع النور من جبهته.
وتبعًا لاختلاف الناس وطبيعتهم فقد ترى من يكون سلامه حارًا ومتدفقًا بالمحبة للجميع من قريب وبعيد حتى إنه ليدخلك السرور من مجرد السلام على روحه التي تحتضنك ببشرها وابتسامتها التي تغمرك بالسعادة، وفي المقابل هناك من يكون باردًا في سلامه إذ لا تسمع السلام إلا همسًا، وحتى المصافحة لا تستشعرها لأنها إما أن تكون سريعة أو تكون بأطراف الأصابع لدرجة قد تظن أن يدك متسخة بشيء ويَخشى المصافح أن تتسخ يده منها!
أتذكر حين كان السلام بالنظر في أيام الجائحة كانت أمي -حفظها الله- لا تستطيع إخفاء مشاعرها وتعبيرها في سلامها مهما قلنا لها بخطورة الوضع حينها فهي لا تملك نفسها عن احتضان من يعز عليها ومن تلقاهم من قرابتها وأحبتها.
بالطبع هذا يعود لتغير الشخصيات فهناك شخصيات اجتماعية وقريبة للناس بطبيعتها حتى لو كان لا يعرفهم لكن تجد وجوده كشمعة مضيئة في كل مكان يذهب إليه، وعلى العكس هناك من يهرب من الناس ويخشى ملاقاتهم أو لا يحبذ الاختلاط معهم وحتى لو اضطر للقائهم فيكون اللقاء خجولًا، أو مترفعًا عنهم.
بالطبع لا نستطيع الحكم تمامًا على الآخرين من سلامهم؛ لأن هناك أمورًا قد تكون متضمنة وقت السلام، فهناك من يحكم على أحدهم بأنه متكبر مثلًا لأنه لم يسلم أو لم يرد السلام، لكن ربما هو ألقى السلام أو رد بصوت منخفض، أو كان فكره مشغولًا بأمر ما، وحتى من يسلم سريعًا ربما كان واقعًا في عجلة من أمره حقًا ولكنه لم يفوت السلام ولو كان سريعًا،وهناك من لا يسلم ويكتفي بالإشارة خاصة إذا كان سلامه سيسبب فوضى بمكان يستدعي الهدوء، والحكم ربما يكون في حال تكرر الأمر مرارًا.
فمثلًا ونحن في مجالس الحسين في هذه الأيام قد نلتقي الكثير من الأشخاص الذين جمعتنا بهم دراسة أو عمل أو سفر وغيره، وجميل أن يجمعنا الآل بهم في مجالس ذكرهم ونستأنس بمرأى أناس نحمل لهم مشاعر طيبة ومحبة جميلة، ولكن لا يكون المقصد الأساس هو لقاؤهم ولا نستغرق وقتًا طويلًا بالسلام والسؤال عن الأحوال خاصة في وقت القراءة حيث سيشوش على القارئ والمستمع.
مع الأسف، البعض يجعل المجلس فرصة للقاء الأصدقاء والأحاديث الجانبية معهم، متناسيًا الأصل من الحضور في هذه المجالس والهدف منه مواساة الزهراء في شهيدها.
جميل أن يحمس الصديق صديقه لحضور المجالس بشرط الاحتفاظ باحترام المجلس، ولا نجد هناك من يتناجى ويهمس بإذن صاحبه وربما سيظن الذي أمامهم أنهم يتحدثون عنه أو عن أي أحد فكلا الأمرين انتهاك لحرمة المجلس.
هناك حركة ربما يجدها البعض غريبة بيني وبين صديقاتي المقربات، لأننا حين نذهب لنفس المجلس نحاول الجلوس متباعدين في حال سمح الوضع، وحتى لو جلسنا بالقرب فنادر أن يكون هناك حديث بيننا حتى أشعر بأنني قد جفيتها أو لا أعرفها، لكن أحيانًا بعض الأجواء خاصة بمناسبات الاستشهاد وخاصة أكثر بليالي عاشوراء تحتاج منك أن تختلي بحسينك حتى من أقرب أصدقائك، حتى لا ينالك ولو ذرة خجل من البكاء حتى تعطيه حقه حين تصرخ منفجعًا باسمه وبمصابه.
نحن حين نذهب للمجلس لا نذهب للقاء، نحن نذهب ونحن نحمل مسؤولية أداء واجب نقدمه لأمنا الزهراء (ع) لنسعدها بمواساتنا ولو بدمعة مالحة على الخد ولو بلطمة على الصدر، ولو بمجرد رفع صوت بـ"واحسيناه" حين لا تملك أرواحنا السكوت عن عظم ما جرى عليه.
قد نشتاق أحبتنا وأصدقاءنا ولكن سلامنا وأشواقنا لهم سيكون لها وقت آخر غير هذا الوقت، فهذا الوقت سلام أيدينا يرتفع ليسلم على حسيننا في كربلائه بسلام الشوق وحرارة الأحضان والذي يختزن بالقلب وينتظر متى موعد الإذن بالتعفر بأرض كربه.
من رحمة الله ولطفه أننا نشم ريح كربلاء بكل مجلس يغص بزواره، وتتزلزل جدرانه بضجيجهم الحسيني، وحين نرفع الأكف بالدعاء ولهيب الشوق يذبح أرواحنا حين لا يكف عن الهدوء، لا شك هنا أننا حصلنا على تأشيرة الدخول لكربلاء ليس لأننا دفعنا حقها بالتمام، ولكن لأن الحسين هو من دفعها عنا ودعانا لدخول بوابة الكرب والبلاء بعاشورائه لأنه هو من يشتاقنا قبل أن نشتاقه.



