الخطيب تحت المجهر!

رفعًا لكلّ التباس، الحديث عن نوع معيّن من الخطباء.. أتذكر في سنوات الصبا بعض الناس يجلبون أجهزة تسجيل صوت الخطيب العاشورائي، أجهزة كبيرة الحجم، فيها أشرطة تسجيل ملفوفة على بكرة. معاناة حقيقيّة من أجل اصطياد تسجيل صوتيّ، ثم جاءت أجهزة التسجيل الصغيرة وأشرطة الكاسيت وكثر حضورها في المجالس والمحاضرات. في تلك الفترة كثير من الخطباء رفض التقاط صوته وتسجيله بداعي أنها قد تقع في يدٍ خطأ.
نقلة سريعة نحو اليوم؛ وصلنا إلى البثّ المباشر والكاميرا ومواقع البحث عن الآية والحديث والمعلومة. انتقلنا من برنامج خطابيّ ذي طابع معروف ومستمعٍ أغلبه أمّي متعب في يومٍ طويل من العمل، لا يسأم التكرار إلى مستمعٍ يقرأ ويكتب، عنده مقدار جيِّد من الثقافة والقدرة والجرأة على الجدال في المعلومة والمفردة. الخطيب هو نفسه صار يطلب الكاميرا والبثَّ المباشر!
لم يكن في استطاعة المستمع قديمًا العودة والتأكد مما سمع؛ اليوم الصوت والصورة شاهدان عادلان، يسجلان حركات الخطيب، انفعالاته العاطفيّة والفكرية وقدرته على إدارة النصّ وضبطه والفكرة والتعامل مع جمهور موجود معه وآخر يتابع البثَّ. مستمع ومُشاهد من مذهب الخطيب ومريديه أو من مذهبٍ آخر في الهندِ أو السند!
نقلة ذات حدين؛ الحدّ الأول نفع هدفَ الخطيب الذي يستعد وجدّد والحدّ الآخر أضرّ بهدف الخطيب الذي لا يعنيه التجديد في شيء! فعندما تلاحظ أن بعض الخطباء لديهم عشرات الألوف من المشاهدات بصورة متواصلة فذلك -قد- يؤشر ويعني أن لدى الخطيب ما يعده المستمع ذا فائدة!
الرسالة المهمة من هذه الخاطرة هي وإن لم يكن عدد الحضور والمشاهدات دليلًا ماديًّا صريحًا على متانة المحاضرة، فلا بد من أن يضع الخطيب في ذهنه أن الجمهور صار عدده أكبر، بعضه حاضر وبعضه غير حاضر يمكنه أن يستفيد من المادة لاحقًا أو حيث هو. لا بد من التوثّق من الأفكَار والشروحات وإظهار الصورة للمجتمع من الخارج ناصعةً ومنصفةً وراقية. ما يصيب الخطيب من ضرر الفكرة والكلمة الطائشة يصيب المجتمع الأكبر والطائفة جميعها.
ما يبعث على البهجة أن الأغلب الأعمّ من الخطباء مدرك هذه الحقيقة الجديدة ما لا يترك مجالًا للشك في أننا تعاملنا إيجابًا مع التغيرات الزمنيّة دون أن نساوم في متانة المادة وجودتها. وأن الجمهور الحاضر أصبحَ في مكانٍ ما ذا عقل منفتح يقيّم ويزن الكلمةَ والفكرة ولا يعطي عقله طوعًا بحيث أصبح جزءًا وركيزة مهمة من ثلاثية الخطيب والخطاب والمستمع.
أما ما يُرصد من سلبيّات فيُمكن تلافيها من الخطيب مستقبلًا -عن طريق المراجعة الذاتية- وأن يكون الخطيب منشرح الصدر لمراجعة المستمع، فإن وجد فيها خيرًا أخذَ بها فإن الرائدَ الذي لا يكذب أهله لا يُترك رأيه.



