فخر الآباء بالأبناء!

زارني عاملٌ مغترب من أجل إصلاح جهاز منزليّ في يوم حارّ جدًّا. عرفته منذ مدة فسألته عن أبنائه هل كبروا؟ كان يضع صورة ابنه الأكبر - 17 سنة - في شاشة عرض الهاتف المحمول فخورًا به. الابن مرتاح جدًّا، يلبس ملابس جيّدة، على عكس والده الذي غيرت سحنته الشمس وبدا أكبر من عمره الحقيقيّ بسنوات.
ابني لا يريد أن يكون عاملًا مثلي، أنا أريده أن يتعلم! عندي ثلاثة صبيان أعلمهم وأعمل هنا منذ أربعة عشر سنة من أجل مستقبلهم! رواية من ملايين الروايات يحكيها آباء يعملون في أوطانٍ بعيدة، يضحون بعشراتِ السنوات من أعمارهم من أجل مستقبل أبنائهم! ليس بعيدًا أن القارئ الكريم والقارئة الكريمة يفعل شيئًا مقاربًا في التضحية من أجل أولاده وبناته؛ يرتدي بزّة وأثواب العمل صباح كلّ يوم في القيظِ الحارق من أجل أن يكدّ على عياله ويطمئّن على مستقبلهم، وصحتهم وتعليمهم وغير ذلك من شؤون الحياة. يجوع ويشبعهم، يعرى ويكسوهم!
قوة طبيعيّة خارقة تدفع الآباء دون ضجر أو أسفٍ أن يصرفوا دماء قلوبهم من أجل الأبناء والبنات، صدورهم تخفق فخرًا وينتظرون بشوقٍ أن يحصلوا على جزاء تعبهم، ليس ذهبًا أو فضة، إنما نجاح واستقامة فإذا قال النّاس: هذا ابن فلان، قالوا: ما قصّر في التربية، جزاه الله خيرًا!
يبدأ الأب مبكرًا في حياة الصبيّ والصبيّة؛ يستيقظ مع الشمس، يشمر عن ساعديه وتَتلطخ ملابسه بقطرات العرق، لا ينام إلا بعد أن ينوّمهم على أمواج صوته! كل شيء في كيانه ينتظر البذرةَ تنمو وتكبر شجرةً مباركة طيّبة. حتى إذا أوهت الحياةُ جسده النحيل، لا يهمّ ما دام هناك من يفخر به بعد موته.
من أجمل وصايا الآباء ما قاله الإمام علي عليه السلام في وصيته لابنه الإمام الحسن عليه السلام: "وَوَجَدْتُكَ بَعْضِي بَلْ وَجَدْتُكَ كُلِّي حَتَّى كَأَنَّ شَيْئاً لَوْ أَصَابَكَ أَصَابَنِي وَكَأَنَّ الْمَوْتَ لَوْ أَتَاكَ أَتَانِي".
فأعظم مجدي كانَ أنكّ لي أبٌ * * وأكبر فخري كان قولك: ذا ابني!
أبي! وإذا ما قلتها فكأنني * * أنادي وأدعو يا بلادي ويا ركني
بنيَّ عندما تكون أبًا سوف تعرف معنى "أب"، كلمة لا توجد في قاموس اللغة. كثيرًا ما ننسى الأب الذي لا يريد منا جزاءً ولا شكورًا، يكبّرنا ويربينا لأنه يعتبرنا هبة الله ونعمته وامتداد وجوده بعد موته.
عجبتُ من ابنٍ لا يفخر بأبيه وعجبتُ أكثر من أبٍ لا يزرع في روح ابنه بذرة الفخر به!



