حبَّات ساعة الرمل والعمر!

لماذا بعد منتصف العمر كثيرًا ما تراودنا الأحاسيس على نحوٍ متزايد أن الزمن يجري بسرعةٍ أكبر؟ في سنوات الطفولة والصبا نتوق إلى مرحلة الشباب ونتعجل سنواتِ العمر وهي تمرُّ بطيئة: بابا متى أكبر؟ أمّي متى أكبر؟ متى أنتهي من المدرسة؟ متى أتزوج؟ متى أبني بيتًا؟ متى يكون لي أولاد؟ سلسلة طويلة من العجلة ويبدو أن العمر يمرُّ ببطءٍ شديد دون الإجابة عنها!
ثروتك طنٌّ من الذهبِ الخالص -ألف كيلو غرام- وثروتي كيلو غرام واحد فإذا أنفقتَ أنت كيلو غرامًا فأنت أنفقت واحدًا من ألف مما تملك ولو أنفقتُ أنا 100 جرام أكون قد أنفقتُ عُشرَ ثروتي. إذن، تراودنا الأحاسيس بأن الزمن يجري بسرعة -وهي حقيقة- لأن المسافة الباقية عن خط النهاية أقصر بكثيرٍ مما انقضى منها!
الزمن يجري بسرعة لأن حبّات الرمل أقلّ وبما أنها أقلّ يجب أن يكون ثمنها أغلى وأسمى، لكن تعالَ وانظر كيف ننفق المرحلة الذهبيّة من أعمارنا؛ لعبًا ولهوًا، محادثات وسائل تواصل، مطالعة غير ذات نفع، جلسات تقطيع وقت وهلم جرا من الملهيات.
الحبّات القليلة ما قبل النهاية أثمن من غيرها؛ خذ مثلًا حين نلعب الكرة وينقضي الوقت دون فوز حتى دقيقة واحدة قبل أن يعلن الحكم انتهاء وقت اللعب! عندما نسير في الصحراء ومعنا قِرب ماءٍ كثيرة ويبقى قربة واحدة ولا ماءَ يلوح في الأفق! كم تساوي القربة الأخيرة؟
ماذا يقول الأنبياء في هذا؟ عن المسيح عليه السلام: إن النّاس يقولون: إن البناء بأساسه وأنا لا أقول لكم كذلك، قالوا: فماذا تقول يا روحَ الله؟ قال: بحقّ أقول لكم: إن آخر حجرٍ يضعه العامل هو الأساس. قال أبو فروة - وهو راوي الحديث-: إنما أراد خاتمةَ الأمر.
أمّا رسول الله -صلى الله عليه وآله- فيقول: إن الرجل ليعمل الزمنَ الطويل بعمل أهل الجنّة، ثم يُختم له بعمل أهل النّار، وإن الرجل ليعمل الزمن الطويل بعمل أهل النّار ثم يُختم عمله بعمل أهل الجنّة.
نهاية الوقت زمن المصالحات؛ يعني هات ورقةً وقلمًا، فلان له كذا، الله له كذا، ماذا أكلت وماذا شربت؟ ماذا ربحت وماذا خسرت؟ في نهاية حبّات الرمل لا تبني عداوات ومشكلات لا يحلها إلا عزرائيل، ملك الموت! أن ننجز أكثر ونعمل أكثر ومتى ما أطلق الحكم صافرة النهاية يكون الوقت انتهى!
في أواخر أعمارهم ترى النّاس يؤولون إلى صنفين فانظر أيهما تكون؛ إما قارورة عسل يتلذذ بها من حولها وإذا ماتَ وهيلَ فوقه التراب قالوا: خسرناه وربح! أو قارورة خلّ بعدما يموت إذا مرّوا بالمقبرة قالوا: الحمد لله ماتَ فأراحَ واستراح!



