إلى كل مربٍ تشغله هموم التربية «1»

هذه رسالة لكل مربي يشكو هموم المسؤولية ومشكلات التربية، كنتُ كتبتها ونشرتها قبل عام، واليوم قررتُ إعادة صياغتها ونشرها من جديد؛ لأنها من أهم القضايا التربوية الرئيسة المؤرقة في هذا العصر، فلعل فيها ما يفيد، آمل أن تدفع هذه الرسالة في الوصول إلى التربية الواعية المبنية على الأسس العقائدية والأخلاقية، من أجل أن تكون مؤثرة وفاعلة ومنتجة، فما مضامين هذه الرسالة..؟
نحن عبر هذه الرسالة نعبّر عن اهتمامنا بالطفل وتربيته أمر مهم جدًا، لهذا نؤمن تمامًا أن طرح قضية الأمومة والطفولة والأسرة بشكل عام مسؤولية المعنيين بتربية الطفل، إنها مسؤولية نطالب بها من الجانب العقائدي والأدبي والاجتماعي، إنها ضرورة ملحة في عصرنا الحالي، لا سيما ونحن نقف اليوم على مفترق طرق تسارعت فيه وتيرة الأحداث المحدقة بصورة جعلت الآخرين يزدادون تمكينًا في الأرض.
لقد فرض الغرب على مجتمعنا الإسلامي أنماطًا من السلوك لم نكن نعرفها من قبل، ولذا فإن نقطة الانطلاق يجب أن تبدأ من مرحلة الطفولة التي تحتاج إلى الرعاية والتربية وتهيئة كل الوسائل والأساليب اللازمة لغرس السلوكيات الإيجابية. ثقل المسؤولية تقع بالدرجة الأولى على التربويين -آباء وأمهات- غياب دورهم التربوي أو غفلتهما قد تودي بالأبناء إلى نتائج لا تحمد عقباها -لا سمح الله- فلا عذر لهم إن تراخوا في مواجهة تحديات العصر بأكملها.
القلق الذي يبديه الأب والأم تجاه أطفالهما لم يكن كافيًا، ثمة وسائل وأسباب تعمل على هدم القيم والأخلاق التي تعني تكامل العادات والاتجاهات والعواطف والمثل العليا، والتي تشكل مكونًا رئيسًا لبناء شخصية الطفل وتوجيه وضبط سلوكه، ويكتمل الدور بالسير مع الله والقيام بالمهام والمسؤوليات التي أُلقيت على عاتق الآباء والأمهات، وأظنها من أصعب المهمات التي يتولاها المربي، لأنه يتعامل مع نفسية معقدة التشكيل، أضف إلى ذلك أن هناك صفات كثيرة يتحتم على المربي أن يتحلى بها كالصبر والثقة بالنفس والإيمان بالله سبحانه.
الأطفال هم فلذات الأكباد، وريحانة الحياة، وزهور الربيع، وبلسم الجروح، بهم تحلو الأيام، وعليهم تعلق الآمال، فهم ذخر الإنسانية لغدها المشرق، بيد أن هذا كله يتوقف على حسن تربيتهم، وعلى الوالدين مسؤولية إعدادهم الإعداد المناسب وتوجيههم الوجهة الصحيحة عن طريق تربيتهم التربية الصالحة الفاضلة، كون المربي -أب وأم- يقتضي منه مزيدًا من الصبر ومزيدًا من التوعية الإسلامية، فهو الحارس على القيم والأخلاق على النحو الذي يحقق آمالهم وحمايتهم من أي أذى قد يلحق بهم على يد العابثين المستهترين بمصائر الأجيال القادمة.
بداية، ليس من شك في أن مشكلة المشكلات التي تعانيها الأسرة هي هموم تربية أبنائها التي بدأت في عصرنا الحالي، نحن نعيش في زمن عولمي صعب، له تحدياته وفروضه ونوافله، نعيش وسط عالم تحيط به المشكلات من كل حدب وصوب، وتتفجر فيه أزمات وكوارث وانحرافات يدوي صداها في كل أرجاء الدنيا، نعيش هذا العصر بمخترعاته وتعقيداته ومشكلاته وما يشهده من تغييرات هائلة لا يكاد يتصور أبعادها عقل.. إننا في عصر التداخل والتفاعل والتشابك السريع والمتسارع في العلاقات بين المجتمعات والدول والمؤسسات العالمية، وهذا التداخل السريع والمتسارع، يأخذ أبعادًا وأشكالًا مختلفة، أخطره الصراع الفكري، نحن اليوم في عصر تتقارب فيه الثقافات والهويات مع بعضها بعضًا، في ظل الهجمة التقنية المؤدية لتغريب هويتنا الدينية والثقافية، ولن يستطيع أحد في عالم اليوم تجنب نتائجها، أو الانعزال عن مجرياتها.
ويمكن إيجاز مفهوم العولمة في هذه التساؤلات: من يستفيد من هذا الانفتاح كما يحلو للبعض أن يسميه ومن يتضرر؟ وما الذي ينبغي اتخاذه حياله؟ وأين نقف منه؟ نعم.. إننا في عصر الانفتاح.. أولادنا وبناتنا في حاجة.. في حاجة إلى الاهتمام، وعلى كل المستويات والاتجاهات، فهم في حاجة إلى المحافظة على دينهم وأخلاقهم.. وهم في حاجة إلى المحافظة على سلوكهم وعاداتهم الاجتماعية الحميدة.. وهم كذلك في حاجة إلى المحافظة على صحتهم.. وهم بذلك في حاجة إلى تربية شاملة.. وكيف السبيل إلى ذلك؟! هذا الأمر يستدعي وقفة توعوية صادقة لوقف ذلك الانفتاح وسيئاته وتحولاته الثقافية والاجتماعية، هي محاولة تهدف إلى مساعدة أطفالنا على أن يقفوا في المستقبل في وجه صعوبات الحياة ومشكلاتها وقفة الصلابة والشجاعة.. نعم.. مهمة التربية لهي من أصعب المهمات التي تواجه مجتمعنا المسلم، ويتحتم على الآباء والأمهات وهما من يملكان مفتاح الحل لهذه المشكلة؛ ممارسة الرقابة على من هم في ولايتهم احتكامًا إلى معايير الدين والأخلاق والأعراف، {قُوا أَنفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَارًا} [التحريم:6].
واقعنا المؤسف اليوم نجد فيه الآباء لا يهتمون كثيرًا بتقوية النواحي العقائدية والإيمانية والروحية والأخلاقية في نفوس أبنائهم التي هي عماد التربية وأساسها والتي يجب أن يربوا أطفالهم عليها ويحثوهم ويشجعوهم على التمسك بها. وهذا أمر خطير جدًا، فكل المفاهيم تغيّرت، والعواطف تبلدت، والعلاقة بين الأب والأم وأبنائهما خلت من مشاعر المحبة والحنان وتحولت إلى معنى مادي لا قيمة له ولا رجاء. فولدك اليوم أيها الأب يعيش في غربة، وهو في أمس الحاجة إلى أن تصادقه، وتربِّيه، وتعلمه الأدب، وأصول الأخلاق، وعليك أن تدله على ربِّه، وترشده إليه، وأن تعامله معاملة من يشترك معه في الثواب والعقاب، ولابد أن تدرك عظم المسؤولية الملقاة عليك، وليس أدل على ذلك من قول الرسول -صلى الله عليه وآله-: " كلكم رَاعٍ، وكلكم مسؤول عن رَعِيَّتِهِ.. والرجل راعٍ في بيته، وهو مسؤول عن رعيته" وليست هذه المسؤولية قاصرة على الأب وحده، بل الأم إلى جانبه بحكم التصاقهما المباشر بالطفل في سنواته الأولى.
يؤرقنا مستقبل أبنائنا في هذا العالم المتلاطم.. إننا في عصر الهيمنة والتفرد، عصر ممزق نعيشه، عصر متخم بالسلوكيات الشاذة عن القيم الدينية والروحية، والمثل العليا للإنسانية، والأخلاقيات الفاضلة، جيلنا الحالي يتعرض لغزو فكري على كل المستويات والاتجاهات.. أولادنا وبناتنا في حاجة إلى الحماية والرقابة من الهجمة التقنية التي تعد أهم خصائص العولمة. لقد أصبحت أجهزة التواصل الإلكترونية تواجه انتقادات مبنية على القواعد الأخلاقية على الرغم من الفوائد التي أتت معها، ويبقى السؤال: هل هي إيجابية أم سلبية؟ باختصار يمكن القول بأن فيها الإيجابي وفيها السلبي، وإن كانت إيجابياتها أكثر لمن يقفون على قمة الهرم بطبيعة الحال، ولكن المهم في الأمر مسألة السلبيات.
البعض منا -آباء وأمهات- يرجحون كفة الإيجابيات، ويرون أن الحفاظ على هوية أطفالنا الدينية والأخلاقية تأتي بالتحصين والرقابة، لكن المهم ألا نقف موقفًا سلبيًا من كل ما هو جديد لاستشعارنا خطره المحدق، فالطفل يعيش حالة من حالات تنمية القدرات العقلية عبر وسائل مختلفة، وبخاصة الوسائل التواصل الرقمية -الصوتية والمرئية- والذي يهمنا هنا هو الحفاظ على هوية أطفالنا الدينية والفكرية والاجتماعية، فما الذي ينبغي لنا أن نقدمه للأطفال، وما الذي يجب على الأطفال تجنّبه؟ - لماذا بدأت هذه البداية. آه نعم أريد أن أتكلم عن الأجهزة الذكية وأثرها الكبير في تنشئة أطفالنا، اختراعات وابتكارات غزت بسرعة مفاجئة حياتنا اليومية دون استئدان، جلبت علينا من الشقاء قدر ما جلبت لنا ما ظنناه من فرط سذاجتنا راحة وسعادة، ثورة الاتصالات والتقنية الإلكترونية أتت معها من الشرور أكثر مما جلبت من حسنات. إننا معشر الآباء والأمهات في حيرة من أمرنا، عند رؤية أطفالنا يمضون فترات طويلة من اليوم أمام شاشات الأجهزة الذكية التي تبث الضوء في عيونهم، هم منغمسون في عالم افتراضي، منهمكون في اللعب المتواصل وحركة لا تهدأ، وعلى الرغم من طول الوقت فإنهم لا يملّون ولا يتوقفون، دخول الألعاب الإلكترونية في حياة الأطفال لتحل مكان النشاطات البدنية والألعاب الحركية التقليدية، وفي ظل هذه الصورة القاتمة، وإزاء هذه الحالة السلبية، فإن السؤال الذي يفرض نفسه، هو: هل ألعاب الفيديو الموجودة في الأجهزة الذكية آمنة على أطفالنا؟ كثير منا لا يعلم عن قصة المؤامرة التي تهدد هوية الوجدان الإنساني قاطبة، وإن علم فإنه لا يعلم كيف يحمي أبناءه من المخاطر التي قد تصلهم من المواقع الإلكترونية.. وأيضًا كيفية مراقبة كل ما هو جديد من ألعاب فيديو، إذ إن هناك قلقًا يلازم الأهل في كثير من الأمور المتعلقة بأولادهم، وكل ما حول الأولاد والبنات يعج بالأخطار، فماذا نفعل حين نواجه أعداء الحياة؟! شاهدت منذ مدة قريبة مقاطع فيديو لأطفال مصابين باضطرابات عصبية وانفعالات هستيرية "نوع نادر من الصرع" نتيجة الاستخدام المفرط في مشاهدة ألعاب العنف والمغامرات والمطاردات التي تهوي فئة الأطفال، فالطفل يتلقى هذه الصور ليرسبها في الذاكرة وإذا بها تتحول إلى ممارسات واقعية للمشاهدات التي رآها، مشاهد مؤلمة، يبدو أن البعض لم يدرك سر المأساة..! ألعاب الفيديو والأجهزة الذكية بصفة عامة دفعت الأطفال إلى النفور والعصيان، وإلى السلوك العدواني والتصرفات العنيفة، الخوف المستمر والرعب الدائم، من جراء عواقب الإفراط في مشاهد العنف، وتتسبب لهم في النهاية تعقيدًا وكبتًا شديدين يدفعانهم إلى فعل الشر، لا غرو إذن أن نسمع اليوم عن جرائم تشيب لها الولدان!! نحن لم نلامس إلا أشد مظاهر تلك الألعاب مباشرة وتقزيزًا وخطورة، ناهيك عن جوانبها الفكرية والنفسية الأخرى، مما لا أول له ولا آخر، حقًا إن الطفل لغريب الوجه واليد واللسان، إن نجا من أمراضه الموروثة، لم ينج من أمراض تصلنا من الغرب. هل يعقل هذا؟! وللحديث بقية.



