التكامل الذاتي

كتبت هذا الموضوع بعد رحيل زوجتي ورفيقة دربي والتي كانت سندي في حياتي الحاجة المؤمنة أم د. خليل/ فضيلة حسن (فارس) العبيدي/ خادمة أهل البيت عليهم السلام في 29 محرم 1441هـ ولكي ألقيها في آخر يوم في الفاتحة أو في أربعينيتها ولكني آثرت ألا ألقيها ولم أنشرها ولكني حولت هذا العنوان إلى ورشة عمل (دورة تدريبية) مدتها 3 ساعات أقمتها عدة مرات. ولأن ورشة العمل (الدورة التدريبية) لاقت الكثير من المدح والاستحسان من قِبَلْ الحضور أحببت أن أنشر الكلمة أسأل الله أن يكون فيها فائدة للقارئ الكريم.
وأود أن أؤكد للقارئ الكريم أنه لم يتبادر في ذهني أو أرغب في مدح أم خليل أو أصفها بأنها "إنسانة كاملة" أو ما شابه ذلك ولم أكتب هذه الكلمة لأرثيها بها وإنما بحق ما عرفته عنها بعد رحيلها من جيراني وأصدقائي وزملائي في المنطقة وخارجها (الناصرة، وسيهات والعوامية وصفوى والأحساء والكويت) نقلاً عن زوجاتهم هو الذي حفزني وألهمني وشجعني لأن أكتب هذه الكلمة وأعنونها بهذا العنوان: "التكامل الذاتي"
فبدأت بسم الله الرحمن الرحيم والصلاة والسلام على من بعثه الله رحمة للعالمين محمد وعلى آله الطيبين الطاهرين، سفن النجاة الذين من ركبها نجا، الهداة المهديين.
"وَقُلِ اعْمَلُوا فَسَيَرَى اللَّهُ عَمَلَكُمْ وَرَسُولُهُ وَالْمُؤْمِنُونَ ۖ وَسَتُرَدُّونَ إِلَىٰ عَالِمِ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ فَيُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ"، [التوبة 105].
إن هدفي من كتابة هذه الكلمة هو إثارة وتحفيز من يقرأها للتفكير في النقاط التي سأتطرق إليها عسى أن يكون فيها شيء من الفائدة تعود بالنفع إن شاء الله على روح الفقيدة السعيدة أم خليل. واسمح لي أيها القارئ العزيز أن أبدأ الموضوع بسؤالك: ماذا يعني التكامل الذاتي؟ وكيف يمكن تحقيق التكامل؟ أتمنى قبل أن تُكْمِلْ قراءتك للموضوع أن تأخذ بِضْعَ دقائق لتفكر في الإجابة عن هذين السؤالين، وإذا تكتب إجابتك فهذا أفضل.
ملاحظة:
لا أنوي تناول الموضوع من الناحية الدينية لأني لا أرى نفسي أهلًا لذلك وإنما سأحاول أن أتحدث عنه من جانب التطوير الذاتي الذي ربما يكون لديّ القليل جدًا من المعلومات عنه. وذكري للآيات والروايات إنما هو لتعزيز وإثارة التفكير لدي القارئ الكريم. فعليه أن يتدبر ويتفكر في هذه الآيات ويرجع للتفاسير ليقف على معانيها ويستلهم العِبر والعظات منها. فمن وجهة نظري القاصرة، لكي يتكامل الإنسان ذاتياً عليه أن يهتم ويعمل على أربع جوانب/أبعاد في حياته الشخصية. والشكل التالي لتوضيح هذه الأبعاد الأربعة.
البعد العقلي، البعد القلبي، (العاطفي/الاجتماعي)، البعد الروحي، البعد الجسدي

(1) البعد العقلي
العقل هو الأساسي الذي منه ينطلق الإنسان نحو الرقي والتكامل. لذا فإن المتتبع للآيات القرآنية والأحاديث الشريفة يلاحظ بشكل جلي التركيز على هذا البعد المهم في حياة الإنسان. ومن ذلك: "وَالَّذِينَ اجْتَنَبُوا الطَّاغُوتَ أَن يَعْبُدُوهَا وَأَنَابُوا إِلَى اللَّهِ لَهُمُ الْبُشْرَى فَبَشِّرْ عِبَادِ، الَّذِينَ يَسْتَمِعُونَ الْقَوْلَ فَيَتَّبِعُونَ أَحْسَنَهُ أُوْلَئِكَ الَّذِينَ هَدَاهُمُ اللَّهُ وَأُولَئِكَ هُمْ أُوْلُوا الأَلْبَابِ"، [الزمر 17-18]. "أُوْلَئِكَ الَّذِينَ هَدَاهُمُ اللَّهُ وَأُولَئِكَ هُمْ أُوْلُوا الأَلْبَابِ"، مدحٌ جلي وواضح من رب العالمين لهؤلاء الذين: "يَسْتَمِعُونَ الْقَوْلَ فَيَتَّبِعُونَ أَحْسَنَهُ" فيوصفهم بـ"أُوْلُوا الأَلْبَابِ"، أصحاب العقول الذين لا ينعقون مع كل ناعق ولا ينجرفون وراء العواطف والشهوات دون وعي وإنما يستعملون عقولهم في تمييز الحق من الباطل فالحق أحق أن يتبع. ويميِّزون الصح من الخطأ وما الأشياء التي هي في صالحهم دنيا وآخرة. وورد عن النبي الأكرم محمد صلى الله عليه وآله وسلم: "إِنَّ تَفَكُّرَ سَاعَةٍ خَيْرٌ مِنْ عِبَادَةِ سِتِّينَ سَنَةٍ" نعم فـ"التفكير هو مفتاح أبواب المعارف وخزائن الكمالات والعلوم، وهو مقدمة لازمة وحتمية للسلوك الإنساني"، الأربعين حديثاً، ص186 وقد ورد عن الإمام أمير المؤمنين (ع): "نَبِّهْ بالتَفَكُّرِ قَلْبَكَ وَجَافِ عَنِ اللَّيْلِ جَنْبَكَ وَاتَّقِ الله رَبَّكَ"، الأربعين حديثاً، ص 184 وعن الإمام الصادق (ع): "أَفْضَلُ الْعِبَادَةِ إِدْمَانُ التَّفَكُّرِ في الله وَفي قُدْرَتِهِ"، الأربعين حديثاً، ص 186. فإذا أراد الإنسان أن ينطلق بطريقة صحيحة نحو الرقي والتكامل الذاتي الحقيقي فعليه أن يبدأ من الداخل، من داخله هو ليتعرف على ما الذي يتحكم في أقواله وتصرفاته الأصغر منها والأكبر هو عقله وطريقة تفكيرة. والحديث حول موضوع العقل والتفكير يحتاج إلى من هو أجدر مني، لذلك سأقتصر على جانب واحد منه بما لدي من معلومات قليلة ترتبط بهذا الجانب وهو "طريقة التفكير" أو ما يطلق عليه مختصراً بـ"العقلية" لما له من أهمية قصوى على نظرتنا لأنفسنا أولًا ولمن وما حولنا ثانياً.
وتعرَّف طريقة التفكير أو العقلية بأنها "كيفية نظرة الشخص إلى نفسه (وبالخصوص قدراته وملكاته) وإلى العالم من حوله أو فلسفته في الحياة."
فإذا أردنا أن نحدث تغييراً جذرياً في حياتنا فعلينا أن نبدأ من هنا بمعرفتنا لـ"طريقة تفكيرنا" بأن نحاول عزل أنفسنا عن الظروف الخارجية (ماضينا، المواقف والأحداث والأشخاص الآخرين) المؤثرة علينا. علينا أن نختلي بأنفسنا ونفكر في ذواتنا بوعي وبصيرة وتقييم ذاتي دقيق ولننطلق منها. "قُلْ إِنَّمَا أَعِظُكُم بِوَاحِدَةٍ أَن تَقُومُوا لِلَّهِ مَثْنَى وَفُرَادَى ثُمَّ تَتَفَكَّرُوا"، [سبأ 46]. لماذا؟ لأن الظروف الخارجية تجعلنا في الكثير من الأحيان أُسَرِاءَ لها والنتائج التي نحصل عليها عادة تعتمد اعتماداً كبيراً جداً عليها. الشكل التالي قد يساعد في تقريب الفكرة التي أريد إيصالها بشكل أفضل. فإذا أردنا أن نحصل على نتائج مختلفة عن النتائج السابقة فعلينا أن نتخلص من (نعزل/ نُحَيِّد) الظروف الخارجية. فبقدر استطاعتنا على السيطرة على عزل (إبعاد) الظروف والتركيز على أفكارنا وتغيير الأفكار السلبية إلى أفكار إيجابية بقدر ما نحصل على نتائج أفضل بكثير من النتائج السابقة. الآن فكر معي في هذه الأمثلة التي قد توضح عقليات (طرق مختلفة للتفكير) وآثارها على سلوكنا.
الإنسان المذنب إذا أراد التوبة وهو يعتقد أن الله سبحانه وتعالى سيغفر له فإنه سيجتهد بالدعاء. والعكس قد يكون صحيحاً إذا كان يرى أنه لن يغفر له مهما عمل فقد يزداد في ارتكابه للمعاصي. "وَإِنِّي لَغَفَّارٌ لِمَنْ تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ صَالِحًا ثُمَّ اهْتَدَىٰ"، [طه 82]، "فَقُلْتُ اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ إِنَّهُ كَانَ غَفَّارًا، يُرْسِلِ السَّمَاءَ عَلَيْكُمْ مِدْرَارًا، وَيُمْدِدْكُمْ بِأَمْوَالٍ وَبَنِينَ وَيَجْعَلْ لَكُمْ جَنَّاتٍ وَيَجْعَلْ لَكُمْ أَنْهَارًا "، [نوح 10-12].
الشخص الذي يقتنع (عقلية - طريقة تفكير) أن بإمكانه تغيير حياته للأفضل فسيسعى لتحقيق المزيد في حياته والعكس صحيح. تصنِّف أستاذة علم النفس الأمريكية كارول س. دويك الأشخاص حسب العقليات (طريقة التفكير) التي يمتلكونها إلى صنفين.
(1) الأشخاص أصحاب العقول الثابتة.
(2) الأشخاص أصحاب العقول النامية.
الشخص الذي يرى أن كل من حوله يحبونه ويتمنون له الخير، سلوكه تجاههم يختلف عن الشخص الذي يعتقد أن كل من حوله يكرهونه ويجتهدون في أذيته.
تقول ميلدرد نورمان (پيس پيلقريم): "عندما تدرك مدى قوة أفكارك، فلن تفكر أبداً تفكيراً سلبياً". إذاً، إذا تمكنّا من معرفة ذواتنا وبالخصوص فيما يرتبط بهذا البعد الأساسي "طريقة تفكيرنا" نبدأ بوضع البرنامج العملي لتطوير أنفسنا فيه ومن ثم ننطلق للتوازن بينه وبين البعد المهم الآخر "البعد القلبي (العاطفي/الاجتماعي)".
(2) البعد القلبي (العاطفي/الاجتماعي)
هذا البعد يهتم بعلاقاتنا بكل من وما حولنا (الإنسان والكائنات الحية الأخرى). فمن خلال هذا البعد نبني علاقاتنا العاطفية والإنسانية ونقدم مساهماتنا للمجتمع الذي نعيش فيه، بل للإنسانية بشكل أشمل. ولكي نكون قادرين على تأدية دورنا العاطفي والاجتماعي بشكل فعَّال ومؤثر، علينا أن نوازن بين هذا البعد وبين البعد الأول (البعد العقلي) وبالذات طريقة التفكير لأنها الأساس الذي من خلاله يمكننا تقييم مشاعرنا تجاه الآخرين والحكم عليهم وعلى تصرفاتهم وبالتالي على سلوكنا معهم إيجاباً أو سلباً. فإذا كنا تعتقد أن: زوجاتنا/أزواجنا يحبوننا فسلوكنا تجاههم بل حتى تفسيراتنا لتصرفاتهم ستختلف عما لو كنا نعتقد غير ذلك. وهذا ينطبق على علاقاتنا بأبنائنا وأمهاتنا وإخوتنا وأخواتنا وأقربائنا وزملائنا في العمل وخارجه وعلى مساهماتنا الإنسانية سواءً في المجتمع الذي نعيش فيه أو المجتمع الإنساني وحتى على مستوى الكائنات الأخرى. هذا البعد القلبي (العاطفي/الاجتماعي) والبعد الأول العقلي هما المحور الأساس الذي يركز عليه علم الذكاء العاطفي الذي يمثل مجموعة المهارات العاطفية والاجتماعية التي تؤثر على طريقة إدراكنا لذواتنا والتعبير عن مشاعرنا وعواطفنا وأفكارنا، والتطوير والحفاظ على العلاقات الاجتماعية، والتعامل مع التحديات الحياتية، واستعمال المعلومات العاطفية بطريقة فعَّالة ومتوازنة. الذكاء العاطفي يركز على 15 مهارة كما هو موضح في الشكل. فإذا أردنا أن نكون متوازنين وقادرين على إدارة مشاعرنا وعلاقاتنا بشكل فعَّال ومميَّز فعلينا العمل على تطوير هذه المهارات بشكل مستمر.
(3) البعد الروحي
هذا البعد يمثل علاقتنا بالله والدين وقادتنا الروحيين. وهذا لا يقتصر علينا نحن المسلمين بل يمتد حتى لغيرنا وهو ما يتهم به الكثير من المفكرين الشرقيين والغربيين حيث يجتهدون في محاضراتهم على الإيمان بالغيب (بما وراء الطبيعة) ويمكن مثلاً الاستماع لمحاضرة الدكتور وين داير "قوة النية".
طريقة تفكيرنا تؤثر تأثيراً كبيراً جداً على هذا البعد أيضاً، على سلوكنا والأعمال التي نقوم بأدائها. دعونا نتأمل في هذه الآيات، أدعوك قارئي الكريم إلى أن تقرأ هذه الآيات أكثر من مرة وأن تغلق عينيك وتفكر في ماذا تعني هذه الآيات بالنسبة لك، ماذا تعني بالنسبة لك أنت. ارجع إلى التفاسير واسأل عنها لتقف على معناها الحقيقي وحاول أن تعيشها. هذه الآيات هي: "وَلَقَدْ جِئْتُمُونَا فُرَادَىٰ كَمَا خَلَقْنَاكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ وَتَرَكْتُمْ مَا خَوَّلْنَاكُمْ وَرَاءَ ظُهُورِكُمْ ۖ وَمَا نَرَىٰ مَعَكُمْ شُفَعَاءَكُمُ الَّذِينَ زَعَمْتُمْ أَنَّهُمْ فِيكُمْ شُرَكَاءُ ۚ لَقَدْ تَقَطَّعَ بَيْنَكُمْ وَضَلَّ عَنْكُمْ مَا كُنْتُمْ تَزْعُمُونَ"، [الأنعام 94]، "وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ إِلَّا نُوحِي إِلَيْهِ أَنَّهُ لَا إِلَٰهَ إِلَّا أَنَا فَاعْبُدُونِ، وَقَالُوا اتَّخَذَ الرَّحْمَٰنُ وَلَدًا ۗ سُبْحَانَهُ ۚ بَلْ عِبَادٌ مُكْرَمُونَ، لَا يَسْبِقُونَهُ بِالْقَوْلِ وَهُمْ بِأَمْرِهِ يَعْمَلُونَ، يَعْلَمُ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ وَلَا يَشْفَعُونَ إِلَّا لِمَنِ ارْتَضَىٰ وَهُمْ مِنْ خَشْيَتِهِ مُشْفِقُونَ"، [الأنبياء 25-28]، "وَكَمْ مِنْ مَلَكٍ فِي السَّمَاوَاتِ لَا تُغْنِي شَفَاعَتُهُمْ شَيْئًا إِلَّا مِنْ بَعْدِ أَنْ يَأْذَنَ اللَّهُ لِمَنْ يَشَاءُ وَيَرْضَىٰ"، [النجم 26]، "وَكُلَّ إِنْسَانٍ أَلْزَمْنَاهُ طَائِرَهُ فِي عُنُقِهِ ۖ وَنُخْرِجُ لَهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ كِتَابًا يَلْقَاهُ مَنْشُورًا، اقْرَأْ كِتَابَكَ كَفَىٰ بِنَفْسِكَ الْيَوْمَ عَلَيْكَ حَسِيبًا، مَنِ اهْتَدَىٰ فَإِنَّمَا يَهْتَدِي لِنَفْسِهِ ۖ وَمَنْ ضَلَّ فَإِنَّمَا يَضِلُّ عَلَيْهَا ۚ وَلَا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَىٰ ۗ وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّىٰ نَبْعَثَ رَسُولًا "، [الإسراء 13-15]، "وَوُضِعَ الْكِتَابُ فَتَرَى الْمُجْرِمِينَ مُشْفِقِينَ مِمَّا فِيهِ وَيَقُولُونَ يَا وَيْلَتَنَا مَالِ هَٰذَا الْكِتَابِ لَا يُغَادِرُ صَغِيرَةً وَلَا كَبِيرَةً إِلَّا أَحْصَاهَا ۚ وَوَجَدُوا مَا عَمِلُوا حَاضِرًا ۗ وَلَا يَظْلِمُ رَبُّكَ أَحَدًا"، [الكهف 49]، "يَوْمَ تَأْتِي كُلُّ نَفْسٍ تُجَادِلُ عَنْ نَفْسِهَا وَتُوَفَّىٰ كُلُّ نَفْسٍ مَا عَمِلَتْ وَهُمْ لَا يُظْلَمُونَ"، [النحل 111].
تَمَعَنْ في هذه الآيات كثيراً. ماذا الذي تستفيده منها وما الذي ستقوم به بعد قراءتها. وأنت تقرأ الآية الأخيرة، تَخَيَّلْ أنك واقف أمام الله يوم القيامة، فما هو الجواب الذي أعددته؟ وكيف ستجادل عن نفسك؟ عن الأفكار التي تتمسك بها في ذهنك، "لِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ ۗ وَإِنْ تُبْدُوا مَا فِي أَنْفُسِكُمْ أَوْ تُخْفُوهُ يُحَاسِبْكُمْ بِهِ اللَّهُ ۖ فَيَغْفِرُ لِمَنْ يَشَاءُ وَيُعَذِّبُ مَنْ يَشَاءُ ۗ وَاللَّهُ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ"، [البقرة 284]، عن كلماتك، "مَا يَلْفِظُ مِنْ قَوْلٍ إِلَّا لَدَيْهِ رَقِيبٌ عَتِيدٌ"، [ق 18]، عن سلوكك، "يَوْمَئِذٍ يَصْدُرُ النَّاسُ أَشْتَاتًا لِيُرَوْا أَعْمَالَهُمْ، فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَهُ، وَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَهُ"، [الزلزلة 6-8]، وخصوصاً تجاه الآخرين، "أَلَا وَإِنَّ الظُّلْمَ ثَلَاثَةٌ فَظُلْمٌ لَا يُغْفَرُ وَظُلْمٌ لَا يُتْرَكُ وَظُلْمٌ مَغْفُورٌ لَا يُطْلَبُ فَأَمَّا الظُّلْمُ الَّذِي لَا يُغْفَرُ فَالشِّرْكُ بِاللَّهِ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى إِنَّ اللَّهَ لا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَأَمَّا الظُّلْمُ الَّذِي يُغْفَرُ فَظُلْمُ الْعَبْدِ نَفْسَهُ عِنْدَ بَعْضِ الْهَنَاتِ وَأَمَّا الظُّلْمُ الَّذِي لَا يُتْرَكُ فَظُلْمُ الْعِبَادِ بَعْضِهِمْ بَعْضاً الْقِصَاصُ هُنَاكَ شَدِيدٌ لَيْسَ هُوَ جَرْحاً بِاْلمُدَى وَلَا ضَرْباً بِالسِّيَاطِ وَلَكِنَّهُ مَا يُسْتَصْغَرُ ذَلِكَ مَعَهُ فَإِيَّاكُمْ وَالتَّلَوُّنَ فِي دِينِ اللَّهِ فَإِنَّ جَمَاعَةً فِيمَا تَكْرَهُونَ مِنَ الْحَقِّ خَيْرٌ مِنْ فُرْقَةٍ فِيمَا تُحِبُّونَ مِنَ الْبَاطِلِ وَإِنَّ اللَّهَ سُبْحَانَهُ لَمْ يُعْطِ أَحَداً بِفُرْقَةٍ خَيْراً مِمَّنْ مَضَى وَلَا مِمَّنْ بَقِيَ. نهج البلاغة، خطبة 176.
بعد قراءتك هذه الآيات والرواية: ما هي الفكرة التي تولدت لديك؟ ما هو السلوك أو البرنامج العملي الذي أخذت على عاتقك ممارسته والالتزام به؟ ما الذي ستعمله لكي تستمر في تأدية ما اقتنعت به؟
لكي نتمكن من تحقيق التوازن الفعًال والمؤثر ونصل إلى ما نريده من خلال ممارسة الأبعاد الثلاثة الماضية، لا بد لنا من استعمال أداة سليمة وصحيحة. هذه الأداة هي ما يمثله البعد الرابع "البعد الجسدي".
(4) البعد الجسدي
هذا البعد هو الأداة التي من خلالها نستطيع أن نؤدي ونحقق الأبعاد الثلاثة الأخرى. فلا يمكننا أن يكون فكرنا واضحاً ونسيطر عليه وجسادنا سقيمة والآلام مسيطرة علينا؟! ولا يمكننا تأدية واجباتنا الدينية والاجتماعية وأجسادنا سقيمة والآلام مسيطرة علينا؟!
فإذا أردنا أن تكون طريقة تفكيرنا سليمة وعلاقاتنا قويمة وفعَّالة وتأدية واجباتنا الدينية بحضور قلب وخشوع وتدبر ونقدم مساهمات ذات قيمة حقيقية في مجتمعاتنا، علينا الإعتناء بهذا البعد (الجسدي)، الأداة التي وهبنا الله إياها في هذه الحياة الدنيا لتعود بعدها إلى التراب الذي خلقت منه وتبقى الروح. أجسادنا هي الأداء لتأدية المطلوب منا في هذه الحياة.
فعلينا الاهتمام بأجسادنا لتتكامل ذواتنا وأرواحنا وعلينا الاهتمام بأجسادنا لنؤدي واجباتنا الأسرية والاجتماعية وعلينا أن يكون المآل دائمًا (النهاية) حاضرًا أمام أعيننا وأن نكون واعين بالغاية التي من أجلها نعتني بأجسادنا. فالاعتناء بالجسد وسيلة وليست غاية وإنما الغاية هي السمو الروحي والنمو العقلي
والتكامل الذاتي يأتي من خلال التوازن الحقيقي بين هذه الأبعاد الأربعة، البعد العقلي (طريقة التفكير)، البعد القلبي (العاطفي/الاجتماعي)، والبعد الروحي، والبعد الجسدي (الأداة التي نحقق من خلالها التكامل في الأبعاد الثلاثة الأولى).
أرجو من الله أن أكون قد وفقت لإيصال رسالة واضحة ومفهومة للقارئ الكريم من أجل تطبيقها في حياته ليستفيد من كل لحظات حياته التي يعيشها باتزان وفعَّالية. رحم الله فقيدتنا العزيزة والغالية، رفيقة دربي، والتي كانت سندي والملهمة والمحفزة لي طوال حياتي والتي كان لها الدور الكبير في كل نجاحاتي في الحياة بعد الله سبحانه ودعاء والدتي الحنون المرحومة أم سعيد. وأعتذر إن لم أوفق في هذه الكلمة أو في بعض النقاط التي ذكرتها. كما أتمنى أن يكون فيها فائدة لمن يقرأها وأسأل الله العلي القدير إن كان فيها فائدة أن يعود الأجر والثواب إلى روح والدي الحاج الملا علي حسين آل عبيدي ووالدتي الحاجة مريم علي علي عاشور وأخي الحاج سعيد وزوجتي أم الدكتور خليل التي يعتبر فقدها هو الحافز الوحيد لي لكتابة هذه الكلمة. أسأل الله العلي القدير أن يغفر لها ولوالدي وأخي ولأسلافنا ولموتى القارئ الكريم وجميع المؤمنين والمؤمنات. وألا يفتننا بعدهم وأن يثبت قلوبنا على طاعته واجتناب معاصيه إنه سميع الدعاء فعَّال لما يشاء وإنه على كل شيء قدير وبالإجابة جدير.
ورحم الله من يقرأ لأرواحهم وأرواح المؤمنين والمؤمنات السورة المباركة الفاتحة.



